وقوله تعالى : يا أيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم الآية
ترد على المتقشفة لأنه [ ما ] نهانا أن نأكل طيبات ما أحل الله لنا، وهم يحرمون ذلك. وقال الله عز وجل : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق [ الأعراف : ٣٢ ]. ثم لا فرق بين ما أحل الله لنا من الطيبات وتحريم ما حرم الله علينا من الخبائث. ثم يلزمهم ألا يحرموا على أنفسهم التناول من الخير والماء، وهما من أطيب الطيبات.
ألا ترى أن المرء قد يمل، ويسأم من التناول من غيرهما إيثارا منهم غيرهم على أنفسهم لما يلحق القوم من المؤن في غيرهما من الطيبات ولا يلحق في الخبز والماء، لأنهما موجودان، يجدهما كل أحد، ولا يجد غيرهما من الطيبات إلا من تحمل مؤنة عظيمة. فإن كان تركهم التناول منها لهذا الوجه فإنه لا بأس.
وبعد فإن الله تعالى جعل الأطعمة والأشربة والفواكه للبشر في الوقت والحال التي تطيب أنفسهم بها، وتلذذ، لأنه لم يحل لهم في أول خروجها من الأرض، والنخيل إنما أحل لهم بعد نضجها وينعها واتخاذها خبزا وبلوغها في الطيب نهايته. وجعل للبهائم ذلك في أول ما يخرج. فإذا كان البشر خصوا بذلك لم يجب أن يحرم ذلك، ويبطل ذلك التخصيص والتفضيل، والله أعلم.
فإن قيل : إنما لم يتناول منها لما يعجز عن شكر الله، لذلك يقتصر على ما يقيم الرمق فيه، قيل له : فيجب ألا يتزوج من النساء إلا أدونهن جمالا وأكبرهن سنا لأنها [ تصونه من ] الفجور. فإن لم يكن في تزوج العجائز والقبائح وترك الشبان الحسان زهادة فليس في أكل خبز الشعير وترك الحور والميدة زهادة، ولكن لما خاف أن تدخله الرغبة في طيب الطعام في شبهة مكسبة. فواجب عليه ألا تدخله في ذلك المكسب، وينزه نفسه عنه، ويقتصر على القوت الذي لا بد له منه.
وقيل : الآية نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر وعلي وابن مسعود وعثمان بن مظعون والمقداد وسالم، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وهؤلاء حرموا على أنفسهم الطعام والنساء، وهموا أن يقطعوا مذاكيرهم وأن يلبسوا المسوح، ويدخلوا الصوامع، فيتنزهوا فيها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم «[ فأتى منزل عثمان، فلم يجدهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لامرأة عثمان : أحق ما بلغني عن عثمان وأصحابه ؟ قالت : إن كان عثمان أخبرك فقد صدقك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولي لزوجك إذا جاء : إنه ليس منا من لم يستن بسنتنا، ويأكل من ذبيحتنا » [ بنحوه السيوطي في الدر المنثور ٣/١٣٩-١٤٢ ] فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرته امرأته بقول النبي صلى الله عليه وسلم فقال عثمان : والله لقد بلغ النبي أمرنا، فما أعجبه ! فذروا الذي كره، فأنز الله : لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم الآية. فلا ندري كيف كانت القصة ؟ ولكن فيه بيان ما ذكرنا، والله أعلم.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم