ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ

يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ٨٧ وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون [ المائدة : ٨٧ ٨٨ ].
المعنى الجملي : بعد أن مدح سبحانه النصارى بأنهم أقرب الناس مودة للمؤمنين وذكر من أسباب ذلك أن منهم قسيسين ورهبانا، ظن المؤمنون أن في هذا ترغيبا في الرهبانية وظن الميالون للتقشف والزهد أنها منزلة تقربهم إلى الله، ولن تتحقق إلا بترك التمتع بالطيبات من الطعام واللباس والنساء، إما دائما كامتناع الرهبان من الزواج، وإما في أوقات معينة كأنواع الصيام التي ابتدعوها، فأزال الله هذا الظن وقطع عرق هذا الوهم بذلك النهي الصريح.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم قال : نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة قالوا : نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا : نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم
( لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني ).
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالما مولى أبي حذيفة وقدامة تبتلوا فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء وأجمعوا على القيام بالليل وصيام النهار فنزلت الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم الآية، فلما نزلت بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :{ إن لأنفسكم حقا، وإن لأعينكم حقا، وإن لأهلكم حقا، فصلوا وناموا، وصوموا، وأفطروا فليس منا من ترك سنتنا " فقالوا : اللهم صدقنا واتبعنا ما أنزلت مع الرسول.
الإيضاح : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا الطيبات : الأشياء التي تستذلها النفوس وتميل إليها القلوب، أي لا تحرموا على أنفسكم ما أحل الله لكم من الطيبات بأن تتركوا التمتع بها عمدا تنسكا وتقربا إلى الله، ولا تعتدوا فيها وتتجاوزوا حد الاعتدال إلى الإسراف الضار بالجسد بأن تزيدوا على الشبع والري، أو تجعلوا التمتع بها أكبر همكم في الحياة، أو تشغلكم عن الأمور النافعة من العلوم والأعمال المفيدة لكم ولبني وطنكم.
والآية بمعنى قوله تعالى : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [ الأعراف : ٣١ ] أو لا تعتدوها : أي الطيبات بتجاوزها إلى الخبائث المحرمة.
والخلاصة : إن الاعتداء يشمل أمرين : الاعتداء في الشيء نفسه بالإسراف فيه، والاعتداء بتجاوزه إلى غيره مما ليس من جنسه وهو الخبائث.
ثم علل النهي عن الاعتداء بما ينفر منه فقال :
إن الله لا يحب المعتدين أي لا يحب الله من يتجاوز حدود شرائعه ولو بقصد عبادته وتحريم طيباته التي أحلها، سواء أكان التحريم من غير التزام بيمين أو نذر أو بالتزام، وكل منهما غير جائز.
والالتزام قد يكون لرياضة النفس وتهذيبها بالحرمان من الطيبات، وقد يكون ناشئا عن بادرة غضب من زوجة أو ولد، كمن يحلف بالله أو بالطلاق ألا يأكل من هذا الطعام أو نحوه من المباحات، أو يقول إن فعل كذا فهو بريء من الإسلام أو من الله ورسوله أو نحو ذلك، وكل هذا منهي عنه شرعا ولا يحرم على أحد شيء منها يحرمه على نفسه بهذه الأقوال، ولا كفارة في يمين يحلفه الحالف في نحو ذلك عند الشافعي.
وتحريم الطيبات والزينة وتعذيب النفس من العبادات المأثورة عند قدماء اليهود واليونان قلدهم فيها أهل الكتاب خصوصا النصارى، فإنهم قد شددوا على أنفسهم وحرموا عليها ما لم تحرمه الكتب المقدسة على ما فيها من الشدة والصرامة والمبالغة في الزهد.
ولما جاء الإسلام وأرسل الله نبيه محمدا خاتم النبيين بما فيه السعادة التامة للبشر في دنياهم وآخرتهم أباح للبشر على لسانه الزينة والطيبات وأرشدهم إلى إعطاء البدن حقه والروح حقه، فالإنسان ما هو إلا روح وجسد فيجب العدل بينهما، وبذا كانت الأمة الإسلامية أمة وسطا تشهد على جميع الأمم وتكون حجة عليها يوم القيامة.
والحكمة في ذلك : النهي أن الله يحب أن يستعمل عباده نعمه فيما خلقت لأجله ويشكروه على ذلك، ويكره لهم أن يجنوا على الشريعة التي شرعها لهم فيغلوا فيها بتحريم ما لم يحرمه، كما يكره لهم أن يفرطوا فيها بإباحة ما حرمه أو ترك ما فرضه، وقد أشار إلى ذلك بقوله : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون [ البقرة : ١٧٢ ] وورد في الأثر :" إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ".


المعنى الجملي : بعد أن مدح سبحانه النصارى بأنهم أقرب الناس مودة للمؤمنين وذكر من أسباب ذلك أن منهم قسيسين ورهبانا، ظن المؤمنون أن في هذا ترغيبا في الرهبانية وظن الميالون للتقشف والزهد أنها منزلة تقربهم إلى الله، ولن تتحقق إلا بترك التمتع بالطيبات من الطعام واللباس والنساء، إما دائما كامتناع الرهبان من الزواج، وإما في أوقات معينة كأنواع الصيام التي ابتدعوها، فأزال الله هذا الظن وقطع عرق هذا الوهم بذلك النهي الصريح.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم قال : نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة قالوا : نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا : نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم
( لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني ).
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالما مولى أبي حذيفة وقدامة تبتلوا فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء وأجمعوا على القيام بالليل وصيام النهار فنزلت الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم الآية، فلما نزلت بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :{ إن لأنفسكم حقا، وإن لأعينكم حقا، وإن لأهلكم حقا، فصلوا وناموا، وصوموا، وأفطروا فليس منا من ترك سنتنا " فقالوا : اللهم صدقنا واتبعنا ما أنزلت مع الرسول.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير