ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به أي تحدث به نفسه الوسوسة الصوت الخفي والمراد ما يخطر بالبال وما فيما توسوس موصولة والباء في به صلة يقال صوت بكذا الضمير عائد إلى ما أو مصدرية والباء للتعدية والضمير عائد إلى الإنسان ونعلم خبر مبتدأ محذوف والجملة الاسمية حال من فاعل خلقنا أو مفعوله أو كليهما وتقديره ونحن نعلم ما تحدث به نفسه فإن الله تعالى خلق الإنسان وسوسة ولكل شيء عرض وجوهر والخلق بالاختيار والإرادة مسبوق بالعلم ضرورة ونحن أقرب إليه أي إلى الإنسان من حبل الوريد الحبل العرق وإضافته إلى الوريد من قبيل شجرة الأراك ويوم الجمعة للبيان والجملة حال ثان من فاعل خلقنا الوريدان عرقان مكتنفان بصفحة العنق متصلان بالوتين يردان من الرأس إليه قيل سمي وريدان لأن الروح يرده. واختلف أقوال العلماء في تصوير هذه الأقربية ؟ فقال علماء الظاهر المراد قرب علمه منه، قال البيضاوي معناه نحن أعلم بحاله ممن كان أقرب إليه من حبل الوريد ففيه تجوز لقرب الذات لقرب العلم لأنه موجبه وحبل الوريد مثل يضرب لكمال القرب يقال الموت أدنى لي من الوريد قال البغوي معناه نحن أعلم به منه لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضا ولا يحجب عن علم الله شيء وعلى هذا التأويل يلزم جواز أن يقال الطبيب أقرب إلى المريض من حبل الوريد فإن المريض لا يعلم بعض أحواله وهو لا يعلم شيئا من أحوال نفسه فيجوز أن يقال أنا أقرب من السماء من نفسه فالاقتصار في القول بأقربيته سبحانه إلى خلقه بهذا المعنى غير مرضي عندي وقالت الصوفية العلية بل الله سبحانه أقرب إلى المخلوقات من أنفسها قربا ذاتيا لا زمانيا ولا مكانيا ولا متكيفا بكيفية أصلا يدرك ذلك القرب بنور الفراسة لا بالمشاعر أو الاستدلال وغاية ما يقال في هذا المقام أن العالم من حيث أنه محتاج في الوجود والبقاء إلى الواجب يشبه نسبته إلى الواجب بنسبة الظل إلى الأصل فإن الظل لا وجود له ولا بقاء إلا بوجود أصله فالأصل أقرب إلى الظل من نفسه والواجب أقرب إلى الممكن من نفسه بالذات ألا ترى أن الممكن ما لم ينتسب إلى الواجب لم يجب بالغير وما لم يجب لم يوجد وما لم يوجد لا يجوز حمله على نفسه حملا أوليا فلا يقال زيد ما لم يوجد حينئذ لسلبه عن نفسه إذ يشترط وجود الموضوع للحمل الإيجابي وإن كان حملا أوليا فوجود الممكن أقرب إلى ذات الممكن عن ذاته لجواز سلب الشيء عن نفسه ما لم يوجد والمراد بالوجود هاهنا ما به الموجودية لا المعنى المصدرية فذات الله سبحانه أقرب إلى الممكن من ذاته فهو أبعد في الوجدان وأقرب الذات ولما كانت الصوفية ينسبون العالم إلى دائرة الظلال إلى الصفات والصفات إلى الذات وفي الظلال مراتب كثيرة كما يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام ( إن لله سبعون ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفت لأحرقت سبحاب وجهه وانتهى إليه بمن خلقه )١ كذا في الصفات قال الله تعالى : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله ٢ وقال الله تعالى : ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ٣ فبناء على هذا قال المجدد وقدس سره للعزيز أنه سبحانه وراء الوراء ثم وراء الوراء ثم وراء الوراء في جهته القرب دون البعد يعني ظلال الصفا أقرب إلى الممكن من أمكن وصفات الله تعالى ألممكن من ذاته ومن الظلال ومن الصفات والله تعالى أعلم.
فائدة : هذا النوع من القرب المستفاد من هذه الآية يعم الخلائق كلها حتى الكافرين والله سبحانه بخواص عباده قرب آخر لا يشارك النوع الأول من القرب إلا اشتراكا اسميا لا حقيقيا وذلك القرب أيضا يدرك بالفراسة الصحيحة ويستفاد من الكتاب والسنة قال الله تعالى واسجد واقترب ٤ وقال الله تعالى الله معنا ٥ إن معي ربي ٦ عندي ذي العرش مكين ٧ عند مليك مقتدر ٨ وفي ثم دنا فتدلى ٨ فكان قاب قوسين أو أدنى ٩ ونحو ذلك وقال عليه السلام ( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ) ١٠ نحو ذلك وهذا القرب يسمى بالولاية ولها مراتب لا تعد ولا تحصى ولا يدل عليه كلمة لا يزال ويضاده البعد المختص بالكفار قال الله تعالى ألا بعدا لعاد قوم هود ١١ بعدا لثمود ١٢ ألا بعد للقوم الظالمين ١٣
٢ سورة لقمان الآية ٢٧.
٣ سورة النحل الآية ٩٦.
٤ سورة العلق: الآية ١٩.
٥ سورة التوبة الآية ٤٠.
٦ سورة الشعراء الآية: ٦٢.
٧ سورة التكوير الآية ٢٠.
٨ سورة القمر الآية ٥٥.
٩ سورة النجم الآية ٨ ـ ٩.
١٠ أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب التواضع ٦٥٠٢.
١١ سورة هود الآية ٦٠.
١٢ سورة هود الآية ٦٨.
١٣ سورة هود الآية ٤٤.
التفسير المظهري
المظهري