ﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

الضمير الراجع إليه على اللفظ دون المعنى فَحَقَّ وَعِيدِ فوجب وحل وعيدى، وهو كلمة العذاب. وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهديد لهم.
[سورة ق (٥٠) : آية ١٥]
أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)
عيى بالأمر: إذا لم يهتد لوجه عمله، والهمزة للإنكار. والمعنى: أنا لم نعجز كما علموا عن الخلق الأول، حتى نعجز عن الثاني، ثم قال: هم لا ينكرون «١» قدرتنا على الخلق الأوّل، واعترافهم بذلك في طيه الاعتراف بالقدرة على الإعادة بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ أى في خلط وشبهة.
قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم. ومنه قول على رضى الله عنه: يا حار «٢» إنه لملبوس عليك، اعرف الحق تعرف أهله. ولبس الشيطان عليهم: تسويله إليهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة، فتركوا لذلك القياس الصحيح: أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر. فإن قلت: لم نكر الخلق الجديد، «٣» وهلا عرّف كما عرّف الخلق الأول؟ قلت: قصد في تنكيره إلى خلق جديد له شأن عظيم وحال شديد، حق من سمع به أن يهتم به ويخاف، ويبحث عنه ولا يقعد على لبس في مثله.
[سورة ق (٥٠) : آية ١٦]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)

(١). قوله «ثم قال هم لا ينكرون» يعنى كأنه قال ذلك بمعونة الاضراب. وقوله «في طيه الخ» أى يلزمه ذلك وإن لم يقع منهم اللبس. (ع)
(٢). قوله «يا حار إنه لملبوس» لعله ترخيم حارث. (ع)
(٣). وقع في النسخة ما أحكيه وصورته: «فان قلت لم نكر الخلق الجديد... الخ» قال أحمد: هذا كلام كما تراه غير منتظم، والظاهر أنه لفساد في النسخة، والذي يتحرر في الآية- وهو مقتضى تفسير الزمخشري: أن فيها أسئلة ثلاثة: لم عرف الخلق الأول ونكر اللبس والخلق الجديد؟ فاعلم أن التعريف لا غرض منه إلا تفخيم ما قصد تعريفه وتعظيمه، ومنه تعريف الذكور في قوله وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ولهذا المقصد عرف الخلق الأول، لأن الغرض جعله دليلا على إمكان الخلق الثاني بطريق الأولى أى إذا لم يعي تعالى بالخلق الأول على عظمته، فالخلق الآخر أولى أن لا يعبأ به، فهذا سر تعريف الخلق الأول. وأما التنكير فأمره منقسم: فمرة يقصد به تفخيم المنكر من حيث ما فيه من الإبهام، كأنه أفخم من أن يخاطبه معرفة، ومرة يقصد به التقليل من المنكر والوضع منه، وعلى الأول سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ وقوله لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ وإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ وقوله بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وهو أكثر من أن يحصى. والثاني: هو الأصل في التنكير، فلا يحتاج إلى تمثيله، فتنكير اللبس من التعظيم والتفخيم، كأنه قال: في لبس أىّ لبس: وتنكير الخلق الجديد للتقليل منه والتهوين لأمره بالنسبة إلى الخلق الأول، ويحتمل أن يكون التفخيم، كأنه أمر أعظم من أن يرضى الإنسان بكونه ملتبسا عليه، مع أنه أول ما تبصر فيه صحته، ولعل إشارة الزمخشري إلى هذا والله أعلم، فهذا كما تراه كلام مناسب لاستطراف أسئلة وأجوبة، فان يكن هو ما أراده الزمخشري فذاك، وإلا فالعق العسل ولا تسل.

صفحة رقم 382

الوسوسة: الصوت الخفي. ومنها: وسواس الحلي. ووسوسة النفس: ما يخطر ببال الإنسان ويهجس في ضميره من حديث النفس. والباء مثلها في قولك: صوت بكذا وهمس به. ويجوز أن تكون للتعدية والضمير للإنسان، أى: ما تجعله موسوسا، وما مصدرية، لأنهم يقولون:
حدّث نفسه بكذا، كما يقولون: حدثته به نفسه. قال:
وأكذب النّفس إذا حدّثتها «١»
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مجاز، والمراد: قرب علمه منه، وأنه يتعلق بمعلومه منه ومن أحواله تعلقا لا يخفى عليه شيء من خفياته، فكأن ذاته قريبة منه، كما يقال: الله في كل مكان، وقد جل عن الأمكنة. وحبل الوريد: مثل في فرط القرب، كقولهم: هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار. وقال ذو الرمة:
والموت أدنى لي من الوريد «٢»
والحبل: العرق، شبه بواحد الحبال. ألا ترى إلى قوله:

(١).
وأكذب النفس إذا حدثها إن صدق النفس يزرى بالأمل
غير أن لا تكذبنها في التقى واخزها بالبر لله الأجل
للبيد بن ربيعة، وسئل بشار: أى بيت قالته العرب أشعر؟ فقال تفضيل بيت واحد على الشعر كله غير سديد، ولكنه أحسن لبيد في قوله: وأكذب النفس، يقال: كذبه وصدقه مخففا ومشددا، بمعنى. وما هنا من الأول للوزن، أى: لا تصدقها إذا حدثتك بأمر وحدثتها فيه، لأنها مثبطة عن نيل الفضائل. طامحة إلى الرذائل، وهذا معنى «إن صدق النفس» أى: تصديقها، يزرى بالأمل. يقال: زراه، إذا عابه. وأزرى به: إذا أوقع به العيب، غير أنه الحال والشأن لا تكذبها في تحديثها إياك بالتقى، والخوف من الله، فان مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. ويجوز أنه ضمير المخاطب، ولا ناهية، وإجراء الكلام على الاستثناء يحتاج إلى تكلف في بيان المستثنى والمستثنى منه، ويمكن إجراؤه على الاستدراك، لكن نصب «غير» يحتاج إلى الحمل على الاستثناء» ويحتمل أن تكون «أن» مصدرية «ولا» نافية أو زائدة، لكن تأكيد الفعل بالنون بعد النهى كثير، وبعد النفي قليل، ومع الإثبات في هذا شاذ أو ضرورة، ولا بد من إجراء الكلام بهذا الوجه على الاستثناء معنى ولفظا.
وقد قال القسطلاني في شرح صحيح البخاري باحتمال النهي والزيادة. وبعضهم باحتمال النفي في قوله ﷺ لعائشة حين حاضت في الحج: «فأقضي ما يقضى الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» وخزاه يخزوه: قهره وغلبه، أى: واقهرها بالخير لله الأجل الأعظم، وكأن في البر قهرا لها لمشقته عليها عادة.
(٢).
هل أغدون في عيشة رغيد والموت أدنى لي من الوريد
لذي الرمة. والاستفهام إنكارى، أى: لا أكون في عيشة واسعة والحال أن الموت أقرب إلىّ من الوريد.
وروى: أوفى. والمعنى واحد. والوريدان: عرقان في مقدم صفحتي العتق، سميا بذلك لأنهما يردان من الرأس.
ولأن الروح تردهما. وقال: عيشة رغيد، كقوله الله تعالى إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ وإن كان قليلا في فعيل بمعنى فاعل.

صفحة رقم 383

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الثالثة - 1407 ه
عدد الأجزاء 4
التصنيف التفسير
اللغة العربية