ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

(ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه) هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر بعض القدرة الربانية، والمراد بالإنسان الجنس، وقيل: آدم، ونعلم حال بتقدير نحن، والجملة إسمية ولا يصح أن يكون ونعلم حالاً بنفسه لأنه مضارع مثبت باشرته الواو وما مصدرية أو موصولة كما في البيضاوي، والباء زائدة كقولك: صوت بكذا وهمس به أو للتعدية، أي نعلم وسوسة نفسه له، أو نعلم الأمر الذي تحدثه نفسه به، فالنفس تجعل الإنسان قائماً به الوسوسة، والوسوسة هي في الأصل الصوت الخفي، والمراد بها هنا ما يختلج في سره وقلبه وضميره. أي حديث النفس، وهو ما ليس فيه صوت كالكلية لكن مناسبته للمعنى الأصلي الخفاء في كل، أي: نعلم ما يخفي ويكن في نفسه، ومن استعمال الوسوسة في الصوت الخفي قول الأعشى:
تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت.
فاستعمل لما خفي من حديث النفس.
(ونحن أقرب إليه) أي إلى الإنسان، لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضاً، ولا يحجب على الله شيء (من حبل الوريد) هو حبل

صفحة رقم 167

العاتق، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه وهما وريدان، أي: عرقان عن يمين وشمال، وقال الحسن: الوريد الوتين، وهو عرق معلق بالقلب، وهو تمثيل للقرب بقرب ذلك العرق من الإنسان، أي نحن أقرب إليه بالعلم من حبل وريده، لا يخفى علينا شيء من خفيانه، فكأن ذاته قريبة منه، كما يقال: الله في كل مكان، أي: بعلمه، فإنه سبحانه منزه عن الأمكنة، وحاصله أنه تجوز بقرب الذات عن قرب العلم، قاله الكرخي والإضافة بيانية، أي حبل من الوريد، وقيل: الحبل هو نفس الوريد، فهو من باب مسجد الجامع، سمي وريداً لأن الروح ترد إليه وهو في العنق الوريد، وفي القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر. وفي الذراع والفخذ الأكحل والنسا، وفي الخنصر الأسيلم.
وفي الخازن: الوريد الذي يجري فيه الدم ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن، وهو بين الحلق والعلباوين، وقال الزمخشري: إنهما وريدان يكتنفان بصفحتي العنق في مقدمهما، متصلان بالوتين يردان من الرأس إليه، قال أبو السعود: وهو عرق متصل بالقلب، إذا قطع مات صاحبه، وقيل: المعنى نحن أقرب إليه بنفوذ قدرتنا فيه، ويجري فيه أمرنا كما يجري الدم في عروقه.
وقد أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: " نزل الله من ابن آدم أربع منازل، هو أقرب إليه من حبل الوريد، وهو يحول بين المرء وقلبه، وهو آخذ بناصية كل دابة، وهو معهم أينما كانوا ". وقال أبو سعيد في حبل الوريد: هو عروق العنق، وعنه هو نياط القلب، قال القشيري: في هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم، وروح وأنس وسكون قلب لقوم، ذكره الخطيب.
ثم ذكر الله سبحانه أنه مع علمه به وكل به ملكين يكتبان ويحفظان عليه عمله إلزاماً للحجة فقال:

صفحة رقم 168

فتح البيان في مقاصد القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي

راجعه

عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

الناشر المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 15
التصنيف التفسير
اللغة العربية