ﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

قوله :«بَلْ عَجِبُوا » يقتضي أن يكون هناك أمرٌ مضروبٌ٦ عنه فما ذلك ؟ أجاب الواحدي ووافقه الزمخشريّ أنه تقرير كأنه قال : ما الأمر كما تقولون٧. قال ابن الخطيب : والتقدير والقرآن المجيد إنك لمنذر، وكأنه قال بعده : إنهم شكوا فيه. ثم أضرب عنه وقال : بَلْ عَجبُوا أي فلم يكتفوا بالشك ولا بالردِّ حتى عَجِبُوا بل جَزَمُوا بالخلاف حتى جعلوا ذلك من الأمُور العجيبَة.
فإن قيل : فما الحكمة في هذا الاختصار العظيم في موضع واحد حذف المقسم عليه والمُضْرَب عنه، وأتى بأمر لا يفهم إلا بعد الفكر العظيم ولا يفهم مع الفكر إلا بالتوثيق العزيز ؟ !.
قال ابن الخطيب : أما حذف المقسم عليه فلأن الترك في بعض المواضع يفهم منه ظهور لا يفهم من الذكر، لأن من ذكر المَلِكَ العظيم في مجلس، وأثنى عليه يكون قد عَظَّمَهُ، فإذا قال له غيره : هو لا يذكر في هذا المجلس يكون بالإرشاد إلى ترك الذكر دالاًّ على عظمة فوق ما استفيد بذكره فالله ( تعالى٨ ) ذكر٩ المقسم عليه لبيان هو أظهر من أن يذكر. وأما حذف المُضْرب عنه، فلأن المُضْرَب عنه إذا ذكر وأضرب عنه بأمرٍ آخر، وكان بين المذكورين تفاوتٌ ما، فإذا عظم١٠ التفاوت لا يحسن ذكرهما مع الإضراب، مثاله يحسن أن يقال : الوَزيرُ يعظم، فلا يماثل الملك بعظمه، ولا يحسن أن يقال : البوابُ يُعَظَّم فلا يماثل الملك بعظمه لكون البوْن بينهما بعيداً، إذ الإِضراب للتدريج، فإِذا ترك المتكلم المُضْرَبَ عنه صريحاً وأتى بحرف الإضراب اسْتُفِيدَ منه أمران :
أحدهما : الإشارة إلى أمر آخر قبله مضربٌ عنه.
والثاني : عِظَم التفاوت بينهما، وههنا كذلك لأن الشك بعد قيام البُرهان بعيد لكن القطع بخلافه في غاية ما يكون من البعد فالعجب منه أبعد١١.
قوله :«أَنْ جَاءَهُمْ » فيه سؤال، وهو : أنْ مع الفعل بتقدير المصدر. . . تقول :«أُمِرْتُ بأَنْ أَقُومَ وأمرت بالقيام »، وإذا كان كذلك فلم ترك الإتيان بما هو في معنى المصدر ما يجب ذكره عند الإتيان بالمصدر حيث جاز ( أن تقول ) ١٢ : أمرت أَنْ أقومَ من غير باء، ولا يجوز أن تقول : أُمِرْتُ القِيَامَ بل لا بد من الباء ولذلك قال : عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ، ولا يجوز أن يقال١٣ : عَجبُوا مَجيئَهُ بل لا بد من قولك : عَجِبُوا مِنْ مَجِيئه !.
والجواب : أن قوله : أَنْ جَاءَهُمْ وإن كان في المعنى قائماً مَقَام المَصْدَر، لكنه في الصورة تقدير، وحروف التقدير كلها حروف جارَّة، والجارُّ لا يَدْخُل على الفعل فكان الواجب أن لا يدخل فلا أقلّ من أن يجوز الدخول فجاز أن يقال : عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ، ولا يجوز : عجبوا مَجِيئَهُمْ ؛ لعدم جواز إِدْخَال الحَرْف عَلَيْهِ١٤.
قوله :«مِنْهُمْ » أي يعرفون نَسَبَهُ وصدقه وأَمَانَتَهُ، وهذا يصلح أن يكون مذكوراً لتقرير تَعَجُّبهمْ ويصلح أن يكون مذكوراً لإبطال تَعَجبهم، أما وجه تقرير تعجبهم فلأنهم كانوا يقولون : أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ [ القمر : ٢٤ ] و قَالُواْ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا [ يس : ١٥ ] وذلك إشارة إلى أنه كيف يجوز اختصاصه بهذه المنزلة الرفيعة مع اشتراكنا في الحقيقة واللوازم ؟ وأما تقدير الإبطال فلأنه إذا كان واحداً منهم ويرى بين أظهرهم وظهر منه ما عجزوا عنه كلهم ومن بعدهم فكان يجب عليهم أن يقولوا : هذا ليس من عنده ولا من عند أحد من جِنْسنَا فهو من عند الله بخلاف ما لو جاءهم واحدٌ من خلاف جنْسهم، وأتى بما يعجزون عنه فإنهم كانوا يقولون : نحن لا نقدر على ذلك، لأن لكل نوع خاصيةً كما أن النّعامة تبلع النَّار، وابن آدم لا يقدر على ذلك١٥.
قوله : فَقَالَ الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ قال الزمخشري : هذا تعجّبٌ١٦ آخرُ من أمر آخرَ، وهو الحشر الذي أشار إليه بقوله : أَئذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ فتعجبوا من كونه منذراً ومن وقوع الحَشْر، ويدل عليه قوله في أول «ص » : وعجبوا أَن جَاءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ [ ص : ٤ ] وقال : أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ ص : ٥ ] فذكر تعجبهم من أمرين. قال ابن الخطيب : والظاهر أن قولَهم هذا إشارة إلى مجيء المنذر لا إلى الحشر، لأن هناك ذكر : إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ بعد الاستفهام الإنكاري فقال : أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وقال ههنا : إنَّ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ، ولم يكن هناك ما تقع الإشارة إليه إلا مجيء المنذر، ثم قالوا :«أَئِذَا متْنَا »، وأيضاً أن ههنا وُجد بعد الاستبعاد بالاستفهام أَمرٌ يؤدي معنى التعجب، وهو قولهم : ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ ؛ فإنه استبعاد وهو كالتعجب فلو كان التعجب أيضاً عائداً إليه لكان كالتكرار.
فإن قيل : التكرار الصريح يلزم من قولك : هذا شيء عجيب يعود إلى مجيء المنذر فإن تعجبهم منه علم من قوله : وعجبوا أن جاءهم فقوله : هذا شيء عجيب ليس تكراراً !.
نقول : ذلك ليس بتكرار، بل هو تقرير ؛ لأنه لما قال : بل عجبوا بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجباً كقوله ( تعالى١٧ ) : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله [ هود : ٧٣ ] ويقال في العرف : لا وجه لِتَعَجُّبِكَ مما ليس بعجب، فكأنهم لما عجبوا قيل لهم : لا معنى لتَعَجُّبِكُمْ، فقالوا : هذا شيء عجيب فكيف لا نعجب منه ؟ ! ويدل على ذلك قوله تعالى ههنا : فَقَالَ الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ بحرف الفاء وقال في «ص » : وقال الكافرون هذا ساحر بحرف الواو فكان نعتاً غير مرتب على ما تقدم، وهذا شيء عجيب أمر مرتب على ما تقدم، أي لما عجبوا أنكروا عليهم ذلك فقالوا : هذا شيء عجيب كيف لا نعجب منه ؟ ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ بلفظ الإشارة إلى البعيد. قوله :«هذا ساحر » إشارة إلى الحاضر القريب فيَنْبَغي أن يكون المشار إليه بذلك غير المشار إليه بهَذَا، وهذا لا يصحُّ إلا على قولنا١٨.
قوله :«أَئِذَا مِتْنَا » قرأ العامَّة بالاستفهام ؛ وابن عامر - في رواية - وأبو جعفر والأعْمش والأعْرج بهمزة واحدة١٩ فيحتمل الاستفهام كالجمهور. وإنما حذف الأداة للدلالة، ويحتمل الإخبار بذلك٢٠، والناصب للظرف في قراءة الجمهور مقدر أي أنُبْعَثُ أو أنَرْجِعُ إِذا مِتْنَا٢١. وجواب «إذا » على قراءة الخبر محذوف أي رَجَعْنَا. وقيل قوله :«ذَلِكَ رَجْعٌ » على حذف الفاء، وهذا رأي بعضهم٢٢. والجمهور لا يجوز ذلك إلاَّ في شعر٢٣ ( وقال الزمخشري ) ٢٤ : ويجوز أن يكون الرَّجْعُ بمعنى المرجوع وهو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى استبعاداً لإنكارهم ما أنذروا به من البعث والوقف على «ما » على هذا التفسير حَسَنٌ.
فإن قيل : فما ناصب الظرف إذا كان الرَّجْعُ بمعنى المرجوع ؟.
فالجواب : ما دلّ عليه المُنْذِر من المُنْذَرِ به وهو البَعْثُ٢٥.

فصل


قال ابن الخطيب :«ذلك » إشارة إلى ما قاله وهو الإنذار، وقوله : هذا شيء عجيب إشارة إلى المجيء فلما اختلفت الصفتان٢٦ نقول : المجيء والجائي كل واحد حاضراً٢٧ وأما الإنذار وإن كان حاضراً لكن المنذر به كان جازماً على٢٨ الحاضر، فقالوا فيه ذلك٢٩. والرجوع مصدر رَجَعَ إذا كان متعدياً والرجوعُ مصدر إذا كان لازماً وكذلك الرُّجعى مصدر عند لُزُومه. والرجوع أيضاً يصحّ مصدراً للاَّزم فيحتمل أن يكون المراد بقوله : ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ أي رجوعٌ بعيد، ويحتمل أن يكون المراد : الرّجْعَى٣٠ المتعدِّي، ويدل على الأول قوله تعالى : إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى [ العلق : ٨ ] وعلى الثاني قوله تعالى : أَئنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة [ النازعات : ١٠ ] أي مرجوعون ؛ فإنه من الرجوع المتعدي.
فإن قلنا : هو من المتعدي فقد أنكروا كونه مقدوراً في نفسه٣١.

فصل


قال المفسرون : تقديره : أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً نُبْعَثُ، ترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه :«ذَلِكَ رَجْعٌ » أي رد إلى الحياة «بَعِيدٌ » غير كائن أي يَبْعُدُ أنْ نُبْعَثَ بعد الموت.
٦ كذا في النسختين والأصح كما في الرازي مضرب لأنه من الرباعي..
٧ قال في الكشاف: إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب وهو أن ينذرهم بالخوف. وانظر الكشاف ٣/٤ و٤ والرازي ٢٨/١٤٩..
٨ زيادة من (أ)..
٩ في (ب) وهو الأصح ترك..
١٠ في (ب) علم..
١١ وانظر تفسير الإمام الرازي ٢٨/١٥٠..
١٢ سقط من (ب)..
١٣ في (ب): أن تقول..
١٤ الرازي: ٢٨/١٥٠..
١٥ الرازي المرجع السابق..
١٦ قال: دلالة على أن تعجبهم من البعث أدخل في الاستبعاد وأحق بالإنكار. الكشاف ٣/٤..
١٧ زيادة من (أ)..
١٨ وانظر تفسير الرازي ٢٨/١٥٠ و١٥١..
١٩ البحر المحيط ٨/١٢٠ والإتحاف ٣٩٨..
٢٠ بالمعنى من البحر المرجع السابق. أقول: وحذف أداة الاستفهام جائز وهو شائع، وعلى إرادة الخبر يكون المعنى: إذا متنا بعد أن نرجع والدال عليه: "ذلك رجع بعيد"..
٢١ قاله مكي في المشكل ٢/٣١٨ وأبو والبقاء العكبري في التبيان ١١٧٣..
٢٢ نقل أبو حيان القولين فنسب الثاني لصاحب اللوامح وترك الأول دون نسبة وانظر البحر المحيط ٨/١٢٠..
٢٣ للضرورة. انظر السابق..
٢٤ ما بين القوسين سقوط من (أ) وزيادة من (ب)..
٢٥ مع اختلاف طفيف في العبارة له وانظر الكشاف ٤/٤٠..
٢٦ كذا في (أ) والرازي وفي (ب) الصّيغتان. وهو الأقرب..
٢٧ كذا فيهما وفي الرازي: حاضر وهو الأصح لغة..
٢٨ في الرازي: لكن لكون المنذر به لما كان غير حاضر قالوا فيه ذلك..
٢٩ وانظر تفسير ٢٨/١٥١..
٣٠ في الرازي: الرجع. وقد ذكر صاحب اللسان هذه الأشياء في معجمه رجع قال: ومصدره لازما الرجوع ومصدره واقعا الرّجع يقال: رجعته رجعا فرجع يستوي فيه بلفظ اللازم والواقع، ثم قال: رجع يرجعُ رجعاً ورجُوعا ورُجعَى ورُجعَاناً ومَرجِعاً ومرجعةً. انظر اللسان "رجع" ١٥٩١..
٣١ أي كون الرجع مقدورا في نفسه وانظر تفسير الإمام ٢٨/١٥٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية