لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مّنْ هذا أي يقال له : لقد كنت في غفلة من هذا، والجملة في محل نصب على الحال من نفس ، أو مستأنفة كأنه قيل : ما يقال له، قال الضحاك : المراد بهذا : المشركون، لأنهم كانوا في غفلة من عواقب أمورهم. وقال ابن زيد : الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم : أي لقد كنت يا محمد في غفلة من الرسالة. وقال أكثر المفسرين : المراد به جميع الخلق برّهم، وفاجرهم، واختار هذا ابن جرير. قرأ الجمهور بفتح التاء من كُنْتَ ، وفتح الكاف في غطاءك ، و بصرك حملاً على ما في لفظ كل من التذكير. وقرأ الجحدري وطلحة بن مصرف بالكسر في الجميع على أن المراد النفس فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ الذي كان في الدنيا، يعني : رفعنا الحجاب الذي كان بينك وبين أمور الآخرة، ورفعنا ما كنت فيه من الغفلة عن ذلك فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ أي نافذ تبصر به ما كان يخفى عليك في الدنيا.
قال السديّ : المراد بالغطاء : أنه كان في بطن أمه فولد، وقيل : إنه كان في القبر فنشر، والأوّل أولى. والبصر قيل : هو بصر القلب، وقيل : بصر العين، وقال مجاهد : بصرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك، وبه قال الضحاك.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مّنْ هذا قال : هو الكافر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ قال : الحياة بعد الموت. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً، و قَالَ قرِينُهُ قال : شيطانه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله : لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ قال : إنهم اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم، وردّ عليهم قولهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً. في قوله : وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ للْعَبِيدِ قال : ما أنا بمعذّب من لم يجترم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً، في قوله : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ قال : وهل فيّ من مكان يزاد فيّ ؟ وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول : هل من مزيد حتى يضع ربّ العزّة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول : قط قط، وعزّتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقاً آخر، فيسكنهم في فضول الجنة». وأخرجا أيضاً من حديث أبي هريرة نحوه، وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله : لِكُلّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ قال : حفظ ذنوبه حتى رجع عنها. وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أنس، في قوله : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ قال : يتجلى لهم الربّ تبارك وتعالى في كل جمعة. وأخرج البيهقي في الرؤية، والديلمي عن عليّ في الآية قال : يتجلى لهم الربّ عزّ وجلّ، وفي الباب أحاديث.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني