ﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔ

قوله :«مَنْ خَشِيَ » يجوز أن يكون مجرور المَحَلّ بدلاً، أو بياناً ل «كُلّ ». وقال الزمخشري : يجوز أن يكون بدلاً بعد بدل تابعاً لكل. انتهى. يعني أنه بدل من كل بعد أن أبدلت «لكلّ » من «لِلْمُتَّقِينَ »١. ولم يجعلْه بدلاً آخر من نفس «لِلْمُتَّقِينَ » لأنه لا يتكرر البدل والمبدل منه واحد٢. ويجوز أن يكون بدلاً من موصوف «أَوَّابٍ وحَفِيظٍ » قاله الزمخشري٣. يعني أن الأصل لكلّ شخص أوابٍ، فيكون «مَنْ خَشِيَ » بدلاً من «شَخْص » المقدر. قال : ولا يجوز أن يكون في حكم «أواب وحفيظ » ؛ لأن «مَنْ » لا يوصف بها٤، لا يقال : الرجلُ مَنْ جاءني جالسٌ، كما يقال : الرجل الذي جَاءَني جالسٌ. والفرق بينهما يأتي في الفصل بعده. ولا يوصف من بين الموصولات إلاَّ بالَّذي٥ يعني بقوله :«في حكم أواب » أن يجعل من صفة. وهذا كما قال لا يجوز، إلا أنَّ أبا حَيَّانَ استدرك عليه الحَصْرَ وقال : بل يوصف بغير الذي من الموصولات كوصفهم بما فيه أل الموصوفة، نحو : الضَّارِبُ والمَضْرُوب٦، وكوصفهم بذُو وذاتِ الطَّائِيَّتَين نحو قولهم :«بالْفَضْلِ ذُو فَضَّلَكُم اللَّهُ بِهِ، والْكَرَامَةِ٧ ذات أَكْرَمَكُمْ بِهِ »٨.
وقد جوز ابن عطية في :«مَنْ خَشِيَ » أن يكون نعتاً لما تقدم٩. وهو مردود بما تقدم١٠. ويجوز أن يرتفع : مَنْ خَشِيَ على أنه خبر ابتداءٍ مضمر١١ أو ينصب بفعل مضمر١٢، وكلاهما على القطعِ المُشْعِر بالمَدْحِ١٣، وأن يكون مبتدأ خبره قولٌ مضمر ناصبٌ لقوله : ادْخُلُوها١٤ وحُمِلَ أولاً على اللفظ وفي الثَّاني على المَعْنَى١٥.
وقيل : مَنْ خَشِيَ منادى حذف منه حرف النداء أي يَا مَنْ خَشِيَ١٦ ادْخُلُوهَا باعتبار الجملتين المتقدمتين وحَذْفُ حرف النداء سائغٌ١٧. وأن تكون شرطية وجوابها محذوف هو ذلك القول، ولكن ردّ معه فاء أي فيقال لهم١٨. و«بالْغَيْبِ » حال أي غائباً عنه، فيحتمل أن يكون حالاً من الفاعل أو المفعول١٩ أو منهما، وقيل : الباء المسببة أي خشيةً بسبب الغَيْب الذي أوعد به من عذابه٢٠. ويجوز أن يكون صفة لمصدر خشي أي خَشِيهُ خشْيَةً مُلتَبِسَةً بالْغَيْبِ٢١.

فصل


قال ابن الخطيب : إذا كان «مَنْ والَّذي » يشتركان في كونهما من الموصولات فلماذا لا يشتركان في جواز الوصف بهما ؟
فنقول :«ما » اسم مبهم يقع على كل شيء فمفهومه هو شيء، لكن الشيء هو أعم الأشْياء فإن الجَوْهَرَ شيء، والعَرَضَ شيء، والواجب شيء، والممكن شيء، والأعَمُّ قبل الأخص في الفهم لأنك إذا رأيت شيئاً٢٢ من البعد تقول أولاً : إنَّه شيء، ثم إذا ظهر لك منه ما يختص بالناس تقول : إنسان، فإذا بان لك أنه ذكر قلت : إنه رجل، فإذا وجدته ذا قوة تقول : شجاعٌ إلى غير ذلك فالأعَمّ أعرف، وهو قبل الأخَص في الفهم، فلا يجوز أن يكون صفة، لأنَّ الصفة بعد الموصوف. هذا من حيث المعقول، وأما من حيث النَّحْو، فلأن الحقائق لا يوصف بها، فلا يقال : جِسْمُ رَجُلٍ جَاءَنِي، كما يقال : جِسْمُ نَاطِقٍ جَاءَنِي ؛ لأنَّ الوصف يقوم بالموصوف والحقيقة تقوم بنفسها لا بغيرها٢٣. فقولنا : عالم أي شيء له علم٢٤.

فصل


والخَشْيَةُ والخَوْفُ معناهما واحد عند أهل اللغة، لكن بينهما فَرْقٌ، وهو أن الخشيةَ خوفٌ من عَظَمَةِ المَخْشِيِّ، لأن تركيب حروف «شَ يَ خَ » في تقاليبها يلزمه معنى الهيبة، يقال : شَيْخٌ لِلسَّيِّدِ وللرجل الكبير السِّنِّ، وهما جميعاً مَهِيبَان والخوف خشيةٌ من ضعف الخاشي، لأنَّ تركيب «خَ وَ ف » في تقاليبها يدل على الضعف، ويدل على ذلك أنه حيث كان الخوف من عظمة المخشيّ قال تعالى : إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء [ فاطر : ٢٨ ]، وقال : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدّعاً من خشية الله [ الحشر : ٢١ ] وقال : هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ [ المؤمنون : ٥٧ ] مع أن الملائكة والجبل أقوياء وحيث كان الخوفُ من ضعف الخاشِي سماه خوفاً قال تعالى :
أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ [ فصلت : ٣٠ ] أي بسبب مكروه يلحقكم في الآخرة. وقال تعالى : خَائِفاً يَتَرَقَّبُ [ القصص : ١٨ ] وقال :«إنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ »٢٥ لوحدته وضعفه هذا في أكثر الاستعمال وربما يتخلف ( المُدَّعَى عنه لكن الكثرة كافية ) ٢٦.

فصل


معنى الآية من خاف الرحمان فأطاعه بالغيب، ولم يره. وقال الضّحاك والسّدي : يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد. قال الحسن : إذا أرخى الستر وأغلق الباب.
وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ هذه صفة مدح، لأن شأن الخائف أن يَهْرب، فأما المتقي فجاء ربه لعلمه أنه لا ينجي الفِرار منه٢٧.
وقوله :«مُنِيبٍ » أي مخلص مقبل على طاعة الله تعالى. والباء في «بِقَلْبٍ » إما للتعدية٢٨، وإما للمُصَاحَبة٢٩، وإما للسببية٣٠.
والقلب المنيب كالقلب السليم في قوله تعالى : إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الصافات : ٨٤ ] أي سليم من الشرك.
١ نقله في الكشاف ٤/١٠ وانظر التبيان ١١٧٦ والبحر ٨/١٢٧..
٢ قاله أبو حيان في المرجع السابق..
٣ الكشاف المرجع السابق..
٤ الكشاف المرجع السابق..
٥ السابق..
٦ فأل هنا في الفاعلية والمفعولية صفة لما قبلها و"ضارب ومضروب" صلتان أي الذي هو ضارب والذي هو مضروبٌ..
٧ فذو ذات صفتان لما قبلهما أي الفضل الذي أكرمكم والكرامة التي أكرمكم..
٨ انظر بحر أبي حيان المحيط ٨/١٢٧..
٩ وهو أواب حفيظ..
١٠ من أن "من" لا ينعت بها..
١١ التبيان ١١٧٦..
١٢ أي هم من خشي وأعني من خشي..
١٣ بتوضيح وتبيين من المؤلف لكتاب التبيان للعكبري ١١٧٦..
١٤ ذكر هذا الوجه الزمخشري في الكشاف ٤/١٠ ثم أبو حيان في البحر ٨/١٢٧..
١٥ معنى الجمع وانظر الكشاف والبحر السابقين..
١٦ السابقين وذكره أيضا الرازي ٢٨/١٧٧ قال: وهو أغربُها"..
١٧ وقد حذف حرف النداء للتقريب كما قالوا: من لا يزال محسنا أحسن إلي. وانظر المرجعين السابقين..
١٨ لم أعثر على ذلك القول لمعين وهو في الحقيقة رأي وجبه..
١٩ وهو اختيار الزمخشري وأبي حيان في مرجعهما السابقين الكشاف ٤/١٠ والبحر ٨/١٢٨..
٢٠ المرجعين السابقين أيضا. وقد تناثرت أقوال من هذه الأقوال في معاني الفراء ٣/٧٩ والبيان ٢/٣٨٧ ومشكل الإعراب ٢/٣٢١..
٢١ المرجعين السابقين أيضا. وقد تناثرت أقوال من هذه الأقوال في معاني الفراء ٣/٧٩ والبيان ٢/٣٨٧ ومشكل الإعراب ٢/٣٢١..
٢٢ في الرازي: شبحاً..
٢٣ وكل ما يقع للغير يكون معناه شيء له كذا..
٢٤ وتلك من المقولات الفلسفية التي اشتهر بها الإمام الفخر الرازي وتوضيح الكلام أن من خشي عند الرازي وقصده حقيقة لا تقوم بغيرها فهي غير تامة. وانظر تفسيره ٢٨/١٧٧..
٢٥ الأصحّ قرآنيا: فأخاف وهي ١٤ من الشعراء و٣٣ من القصص..
٢٦ زيادة من الرازي لتحقيق المراد وتوضيحه وانظر الرازي المرجع السابق..
٢٧ البغوي ٦/٢٣٨ والقرطبي ١٧/٢١..
٢٨ أي أحضر قلبا سليما..
٢٩ أي مع قلب..
٣٠ وهي الأعرف. وانظر الرازي المرجع السابق. والسببية معناها جاء بسبب قلبه المنيب..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية