تمهيد :
تأتي هذه الآيات في ختام سورة الذاريات، وفيها تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل مكة لم يكونوا بدعا من الأمم، فقد كُذّبت الرسل وأوذيت، واستمر التكذيب من عهد نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فهل وصَّى السابق منهم إلى اللاحق ؟ كلاّ.. إنهم لم يتقابلوا، وإنما جمعهم الطغيان والعِناد، والخروج على أمر الله، وقد خلق الله الجنّ والإنس لمعرفته وطاعته، وهو سبحانه غير محتاج إليهم، لأنه سبحانه هو الرزاق القوي المقتدر، وغداً سيجد هؤلاء الكفار العذاب الذي ينتظرهم، وقد تقدمت الجن في الذّكر على الإنس لأنها خلقت أولا، والإنس ثانيا.
المفردات :
ليعبدون : ليخضعوا لي وليتذلَّلوا، أو ليعرفوني.
التفسير :
٥٦- وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ .
لم أخلق الناس لأستكثر بهم من قلة، ولا لأستأنس بهم من وحشة، وإنما خلقتهم ليذكروني كثيرا، ويعبدوني طويلا، وعبادة الجن والإنس لله لا تنفعه سبحانه، ومعصيتهم لا تضرّه. لكن العباد في حاجة إلى طاعتهم لتهدأ نفوسهم، وتطمئن قلوبهم، وتقوى ثقتهم بأنفسهم، فالعبادة والطاعة وسيلة إلى مرضاة الله، واستجلاب فضله ومعونته وبركته، والعبادة حقّ لله على عباده، والعبادة تحمي الإنسان من الإحباط والتردد والخوف، وتمنحه زادا من التقوى والهدوء، والأمان ونقاء الروح، وسلامة السريرة.
وفي الحديث الشريف : " إن النور إذا دخل القلب اتسع له الصدر وانشرح "، قيل : يا رسول الله، هل لذلك من علامة ؟ قال : " نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابةُ إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت "، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه١٣... ( الزمر : ٢٢ ).
ويقول الله سبحانه وتعالى : يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد . ( فاطر : ١٥ ).
وقال ابن جريج ومجاهد : إلاَّ ليعبدون. إلا ليعرفوني أه.
فإن المؤمن إذا داوم على عبادة ربه، والتذلل إليه، وتلاوة القرآن، وذكر الرحمان والتهجُّد، والاستغفار بالأسحار، والمواظبة على صلاة الفجر، وتلاوة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في الصباح والمساء، فإن ذلك يزيده توفيقا وفضلا وقربا من الله، ومعرفة به وحبّا له، وهذا إشارة إلى ما صحّحوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه : " كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأُعرف " ١٤.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة