تمهيد :
هنا يناقش القرآن المشركين، ويشدُّ أزر الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول :
( أ ) استمر في أداء رسالتك ودعوتك، فلست بكاهن يخبر عن الأمور الخفية الماضية، ولست بفاقد للعقل، فأنت عُرفت برجاجة العقل، وبالحكمة شابا وناشئا، ومن باب أولى بعد بلوغ الأربعين.
( ب ) إن الكفار مضطربون في تهمهم، ولا يثبتون على حال، فقد اجتمعوا في دار الندوة، وقال أحدهم : إن محمدا شاعر، فانتظروا أن يموت كما مات من سبقه من الشعراء، والموت كأس على رؤوس الجميع، فإن انتظروا موتك، فإنك أيضا تنتظر موتهم، أو ما يصيبهم من الموت المعنوي يوم بدر وغيره.
( ت ) هل عقولهم تأمرهم برفض الإسلام دون مناقشة فكرته، أم هو الطغيان والعدوان ومجاوزة الحد في العناد.
( ث ) وقالوا : محمد افترى هذا القرآن من عند نفسه، والحقيقة أنهم رفضوا الإيمان بالله ورسوله، فإن كانوا صادقين في هذه التهمة بأن محمدا اختلق القرآن ونسبه إلى الله فليأتوا بقرآن مثله، فهم أهل الشعر والخطب والفصاحة.
المفردات :
نتربّص : ننتظر.
ريب المنون : حوادث الدهر ومصائبه، والمنون هو الدهر، وقيل : هو الموت.
قال أبو ذؤيب :
| أمن المنون وريبها تتوجع | والدَّهر ليس بمعتب من يجزع |
تربّص بها ريب المنون لعلها تطلَّق يوما أو يموت حليلُها
التفسير :
٣٠ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ .
بل هم يقولون : هو شاعر، نتربص به أحداث الدّهر، من موت أو حادثة متلفة، وكان كفار قريش قد اجتمعوا في دار الندوة وكثرت آراؤهم فيما يقولونه فيه صلى الله عليه وسلم، حتى قال قائل من بني عبد الدار : تربصوا به ريب المنون فإنه شاعر وسيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى، ثم افترقوا على هذه المقالة فنزلت الآية.
والخلاصة : اجتنبوا مقابلته حتى لا يغلبنا بشعره، وانتظروا موته كما مات الشعراء من قبله.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة