نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣:قوله تعالى :( ولقد رآه نزلة أخرى ) أي : رأى جبريل عليه السلام نزلة أخرى أي : مرة أخرى. فإن قيل : قد كان رآه كثيرا، فما معنى نزلة أخرى ؟ والجواب : أنه لم ير جبريل في [ صورته التي خلق عليها ](١) إلا مرتين : مرة بالأفق الأعلى، وكان ذلك عند ابتداء الوحي، وقال أهل المعاني : كان ذلك شبه آية أراها النبي صلى الله عليه و سلم ليعلم أنه من الله. والمرة الثانية رآه عند سدرة المنتهى ليلة المعراج كما قال :( ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ) والسدرة شجرة النبق. وفي التفسير : أنها في السماء السابعة، ويقال : في السادسة. وعن عكرمة : هي على يمين العرش.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :" رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كقلال هجر، وأوراقها كآذان الفيلة، يخرج من أصلها أربعة أنهار : نهران ظاهران، ونهران باطنان " (٢). على ما بينا.
واختلف القول في معنى المنتهى، قال بعضهم : ينتهي إليها علم الملائكة، ولا يعلمون ما وراء ذلك، وهو القول المعروف.
والقول الثاني : ينتهي إليها ما يصعد إلي السماء، وينتهي إليها ما يهبط من فوق. وفي بعض الأخبار : أن الملائكة تصعد بأعمال بني آدم حتى إذا انتهوا إلى سدرة قبضت منهم، ولم يعلموا ما وراء ذلك.
وقد ذكر أبو عيسى القول الثاني الذي ذكرنا مسندا إلى النبي صلى الله عليه و سلم(٣).
والقول الثالث : أن معنى المنتهي أنه ينتهي إليها مقام جبريل. وفي الآية قول آخر : وهو أن معنى قوله :( ولقد رآه نزلة أخرى ) أي : رأى محمد ربه نزلة أخرى، وقد ذكرنا قول ابن عباس من قبل.
واختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ورضي عنهم في هذا، فقال ابن مسعود وجماعة : إنه رأى جبريل ولم ير الله تعالى.
وعن مسروق قال : قالت عائشة رضي الله عنها من زعم ثلاثا فقد أعظم الفرية، من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم الفرية ؛ قال الله تعالى :( إن الله عنده علم الساعة )(٤) وذكرت الآية، ومن زعم أن محمدا كتم من الوحي فقد أعظم الفرية ؛ قال الله تعالى :( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته )(٥) ومن زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية، قال الله تعالى :( لا تدركه الأبصار... )(٦) الآية(٧).
وروى عكرمة عن ابن عباس :" أن محمدا صلى الله عليه و سلم رأى ربه ليلة المعراج بعينه " (٨). وهو قول أنس وكعب الأحبار وجماعة كثيرة من التابعين منهم : الحسن، وعكرمة : أن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورأى محمد ربه مرتين. وهذا قول جماعة من الأئمة منهم أحمد بن حنبل، وإسحاق، وغيرهما. وفي بعض الروايات : جعلت الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه و سلم.
فإن قيل : كيف تجوز الرؤية على الله تعالى في الدنيا ؟ والجواب : أنه لم يكن في الدنيا، وإن كان في الدنيا فكل ما فعل الله تعالى وأكرم به نبيا من أنبيائه فجائز بلا كيف.
وفي رواية [ زرين ](٩) حبيش عن ابن مسعود في معنى الآية " أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى جبريل وله ستمائة جناح " والخبر صحيح. وقد ثبت برواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" رأيت ربي في أحسن صورة " (١٠) والله أعلم.
٢ - تقدم تخريجه..
٣ - هو حديث عبد الله بن مسعود المتقدم قبل حديث..
٤ - لقمان : ٣٤..
٥ - المائدة : ٦٧..
٦ - الأنعام : ١٠٣..
٧ - تقدم تخريجه..
٨ - عزاه السيوطي في الدر ( ٦/١٣٧) لابن مردويه..
٩ - سقط من (( الاصل، ك ))، و المثبت هو الصواب كما سبق في تخريجنا للحديث..
١٠ - تقدم تخريجه..
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم