المعنى الجملي : بعد أن عاب عليهم عبادتهم للأصنام والأوثان، وادعاءهم أن لله ولدا من الملائكة، ورد عليهم بأن هذه الأصنام التي جعلوها آلهة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، فما هي إلا أسماء ليس لها مسميات هي آلهة كما تدعون، فلا هي تشفع لهم، ولا تجديهم فتيلا ولا قطميرا، فإن الملائكة الكرام لا يشفعون عند ربهم إلا إذا أذن لهم، ورضي عمن يشفعون له، فأجدر بمثل هؤلاء ألا يستطيعوا شفاعة عنده.
عاد فعاب عليهم هنة أخرى، وهي تسميتهم الملائكة بنات الله، وأبان لهم أن هذه مقالة شنعاء لا تصدر إلا عمن لا يؤمن بالآخرة والحساب والعقاب، فمن أين أتاهم أن لله أولادا هن ملائكته ؟ والولد إنما يطلب للمساعدة وقت الحاجة، ولحسن الأحدوثة، ولحفظ الصيت، والله غني عن كل ذلك، ولو صح ما يقولون، فلم اختاروا له البنات دون البنين ؟ أفلا يساوونه بأنفسهم ويجعلون له ولدا من الذكور لا من الإناث ؟ فما هذا منهم إلا أباطيل لا تغني عن الحق شيئا، وعليك أيها الرسول أن تعرض عن هؤلاء الذين لا هم لهم إلا جمع حطام الدنيا، والتمتع بزخرفها، وإن ربك هو العليم بحالهم، وما تخفي صدورهم، وسيحاسبهم على النقير والقطمير، ويجازيهم بما يقولون ويعتقدون جزاء وفاقا.
الإيضاح : وما لهم به من علم أي وليس لهم بذلك برهان، ولا أتى لهم به وحي حتى يقولوا ما قالوا.
ثم أكد نفي علمهم الحق بذلك فقال :
إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا أي إن معرفة الشيء معرفة حقيقية يجب أن تكون عن يقين لا عن ظن وتوهم، وأنتم لا تتبعون فيما تقولون في هذه التسمية إلا الظن والتوهم، وليس هذا من سبيل العلم في شيء، وقد جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ).
ونحو الآية قوله تعالى : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون ( الزخرف : ١٩ ).
والخلاصة : إن مثل هذا الاعتقاد إما أن يكون عن دليل عقلي والعقل لا يركن إليه في مثل هذا، وإما عن وحي ولم يصل إليهم شيء منه يخبرهم بما يقولون.
تفسير المراغي
المراغي