قوله : وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى قال أبو صالح :«أغنى » الناسَ بالأَمْوَالِ «وأقنى » أعطى القُنيَةَ وأصول الأموال وما يَدَّخِرُونَه بعد الكِفاية.
وقال الضحاك :«أغنى » بالذهب والفضة، وصنوف الأموال، «وأقنى » بالإبل والبَقَر والغنم، وقال الحسن وقتادة : أخْدَمَ. وقال ابن عباس - ( رضي الله عنهما )١ أغْنَى وأَقْنَى أَعْطَى فَأَرْضَى. وقال مجاهد ومقاتل : أرضى بما أعطى وقنع. وقال الراغب : وتحقيقه أنه جعل له قنيةً من الرِّضا. وقال سُلَيْمَان التَّيْميّ : أغنى نفسه وأفقر خلقه إِليه. وقال ابن زيد :«أغنى » أكثر «وأقنى » أقلَّ، وقرأ : يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ٢.
وقال الأخفش :«أقنى » : أفقر٣. وقال ابن كيسان : أوْلَدَ٤. قال الزمخشري :«أقنى » أعطى القُنْيَةَ، وهي المال الذي تأثَّلْته٥ وعزمت أن لا يخرج من يدك. وقال الجَوْهَرِيُّ :«قَنِيَ الرجلُ يَقْنَى قِنًى » مثل «غَنِيَ يَغْنَى غِنًى »٦، ثم يتعدى بتغيير الحركة فيقال : قَنيتُ مالاً أي كَسَبْتُهُ، وهو نظير : شَتِرَتْ عَيْنُه ٧- بالكسر - وشَتَرَها اللَّهُ - بالفتح - فإذا أدخلت عليه الهمزة أو التضعيف اكتسب مفعولاً ثانياً فيقال : أَقْنَاهُ اللَّهُ مالاً، وقناه إياه أي أكْسَبَهُ إيَّاه، قال الشاعر :
كَمْ مِنْ غَنِيٍّ أَصَابَ الدَّهْرُ ثَرْوَتَهُ *** وَمِنْ فَقِيرٍ تَقَنَّى بَعْدَ إِقْلاَلِ٨
أي تقنى مالاً، فحذف ( المفعول الثاني ). وحذف مفعولا «أغنى وأقنى » ؛ لأن المراد نسبةُ هذيْنِ الفعلين إليه وحْدَهُ، وكذلك في باقيها، وألف «أقنى » عن ياءٍ، لأنه من القِنْية ؛ قال :
ألاَ إنَّ بَعْدَ العُدْمِ لِلْمَرْءِ قِنْيَةً٩ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويقال : قَنِيتُ كَذَا وأَقْنَيْتُهُ، قال :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** قَنِيتُ حَيَائِي عِفَّةً وتَكَرُّمَا١٠
٢ ذكرت هذه الأقوال في البغوي والخازن ٦/٢٧٠ والقرطبي ١٧/١١٨ و١١٩ والمفردات للراغب قنا..
٣ لم أجدها في المعاني له فقد نقلها عنه البغوي السابق..
٤ السابق أيضا..
٥ تأثّل المال اكتسبه وثمّره واتخذه. عن اللسان "أَثَلَ"..
٦ صحاح الجوهري قنا..
٧ والشتر انتقال في جفن العين أعلى وأسفل. وانظر اللسان شتر ٢١٩٢..
٨ من البسيط ولم أعرف قائله فهو مجهول. والشاهد تعدية "تقنّى" من قني ماضيا إلى المفعول الثاني، والأول هو النائب عن الفاعل والأصل: قنّاه الله مالا، فالأول هو الهاء..
٩ نصف بيت من الطويل، لا أعرف أصدر هو أو عجز، وبالتالي لم أعرف قائله، فقد بحثت عنه كثيرا فلم أهتد إليه والشاهد: في قنية فهي عن ياء كما يقتضيه كلام أهل الكوفة..
١٠ عجز بيت من الطويل لحاتم الطائي صدره:
إذا قلّ مالي أو نكبت بنكبة ***...................
وشاهده كسابقه من أن أصل ألف "أقنى" ياء من قنيت الحياء أي لزمته. والبيت بعد واضح، وانظر اللسان: قنا ٣٧٦٠ والكتاب ١/٣٦٨ و٣/١٢٦ والمقتضب ٢/٣٤٨ وابن يعيش ٢/٥٤ والتصريح ١/٣٩٢، والأشموني ٢/١٨٩ وديوان الوهبية ١٢٩٣ من مجموع خمسة دواوين ص ١٠٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود