وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)
سَيَعْلَمُونَ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتَّاءِ عَلَى مَعْنَى قَالَ صَالِحٌ لَهُمْ، وَقَرَأَ
الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: سَيَعْلَمُونَ غَدًا حِينَ يَنْزِلُ بِهِمُ الْعَذَابُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَذِكْرُ "الْغَدِ" لِلتَّقْرِيبِ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ، يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَ الْيَوْمِ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ.
إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ أَيْ: بَاعِثُوهَا وَمُخْرِجُوهَا مِنَ الْهَضْبَةِ الَّتِي سَأَلُوا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَعَنَّتُوا عَلَى صَالِحٍ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُخْرِجَ لَهُمْ مِنْ صَخْرَةٍ نَاقَةً حَمْرَاءَ عَشْرَاءَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ مِحْنَةً وَاخْتِبَارًا لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ فَانْتَظَرَ مَا هُمْ صَانِعُونَ وَاصْطَبِرْ وَاصْبِرْ عَلَى ارْتِقَابِهِمْ، وَقِيلَ: عَلَى مَا يُصِيبُكَ مِنَ الْأَذَى.
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاقَةِ يَوْمٌ لَهَا وَيَوْمٌ لَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ بَيْنَهُمْ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَخْبَرَتْ عَنْ بَنِي آدَمَ وَعَنِ الْبَهَائِمِ غَلَّبَتْ بَنِي آدَمَ عَلَى الْبَهَائِمِ كُلُّ شِرْبٍ نَصِيبٍ مِنَ الْمَاءِ مُحْتَضَرٌ يَحْضُرُهُ مَنْ كَانَتْ نَوْبَتُهُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُهَا حَضَرَتْ شِرْبَهَا، وَإِذَا كَانَ يَوْمُهُمْ حَضَرُوا شِرْبَهُمْ، وَحَضَرَ وَاحْتَضَرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي يَحْضُرُونَ الْمَاءَ إِذَا غَابَتِ النَّاقَةُ، فَإِذَا جَاءَتِ النَّاقَةُ حَضَرُوا اللَّبَنَ.
فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ وَهُوَ قِدَارُ بْنُ سَالِفٍ فَتَعَاطَى فَتَنَاوُلَ النَّاقَةَ بِسَيْفِهِ فَعَقَرَ أَيْ: فَعَقَرَهَا.
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ثُمَّ بَيَّنَ عَذَابَهُمْ فَقَالَ:
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ صَيْحَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً مِنَ الشَّجَرَةِ وَالشَّوْكِ دُونَ السِّبَاعِ، فَمَا سَقَطَ مِنْ ذَلِكَ فَدَاسَتْهُ الْغَنَمُ فَهُوَ الْهَشِيمُ (١).
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
محمد عبد الله النمر