ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

قوله : إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً يريد صيحة جبريل كما تقدم فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظِر العامة على كسر الظاء اسم فاعل وهو الذي يتخذه حظيرةً من حَطَب وغيره.
وقرأ أبو السَّمال وأبو حَيْوة وأبو رجاء وعمرُو بن عُبَيْد بفتحها. فقيل : هو مصدر١ أي كَهَشِيم الاحْتِظَارِ.
وقيل : هو اسم مكان. وقيل : هو اسم مفعول وهو الهَشِيمُ نفسه، ويكون من باب إضافة الموصوف لصفته كمَسْجِدِ الجَامِعِ. والحَظْر المَنْع، وقد تقدم تحريره في «سُبْحَانَ »٢.

فصل


«كان » في قوله «فكانوا » قيل : بمعنى صاروا كقوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . كَانَت فِرَاخاً بُيُوضُهَا٣
أي صارت. والهشيم : المهشوم المكسور، ومنه سمي هاشِمٌ لهشمه الثَّرِيد في الجفان غير أن الهشيم يستعمل كثيراً في الحطب المتكسر اليابس.
قال المفسرون : كانوا كالخشب المُنْكَسِرِ الذي يخرج من الحظائر بدليل قوله : هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح وهو من باب إقامة الصّفة مقَام الموصوف.
وتشبيههم بالهشيم إما لكونهم يابسين كالموتى٤ الذين ماتوا من زمان، أو لانضمام بعضهم إلى بعض، كما ينضم الرفقاء عند الخوف يدخل بعضهم في بعض، فاجتمعوا بعضهم فوق بعض كما يجمع الحاطب الحَطَبَ يصف شيئاً فوق شيء منتظراً حضور من يشتري منه٥.
ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم في الجحيم أي كانوا كالحطب اليابس الذي للوَقِيد كقوله تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : ٩٨ ] وقوله : فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً [ الجن : ١٥ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فصل
من قرأ المُحْتَظَر - بفتح الظاء - أراد الحظيرة، ومن قرأ بالكسر أراد صاحب الحظيرة. ونقل القرطبي عن صاحب الصِّحَاح، قال : من كسر جعله الفاعل، ومن فتح جعله المفعول، ويقال للرجل القليل الخير : إنَّه لَنَكِدُ الحَظِيرَةِ٢. قال أبو عبيدة٣ : أراه سمى أمواله حظيرة، لأنه حظرها عنده ومنعها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. وقال المَهْدَوِيُّ : من فتح الظاء من المُحْتَظَر فهو مصدر، والمعنى كهشيم الاحتظار. ويجوز أن يكون المحتظر هو الشجر المتخذ منه الحظيرة، قال ابن عباس ( - رضي الله٤ عنهما - ) : المحتظر هو الرجل يجعل لغنمه حظيرةً بالشجر والشوك فما سقط من ذلك وداسته الغَنَم فَهُوَ الهَشِيمُ٥ قال :
أَثَرْنَ عَجَاجَةً كَدُخَانِ نَارٍ تَشِبُّ بِغَرْقَدٍ بَالٍ هَشِيمِ٦
وعنه : الحشيش تأكله الغنم، وعنه أيضاً : كالعظام النَّخِرة المحترقة. وهو قول قتادة. وقال سعيد بن جبير : هو الترابُ المتناثر من الحِيطَان في يوم ريح. وقال سفيان الثوري : هو ما تناثر من الحظيرة إذا ضَرَبْتَهَا بالعصا، وهو فَعِيلٌ من مَفْعُولٍ. وقال ابن زيد : العرب تسمي كل شيء كان رطباً فيَبِسَ هشيماً٧ والحَظْر المنع. والمُحَتَظرُ المُفْتَعَلُ يقال منه : احْتَظَرَ على إِبِلِهِ، وحظر أي جمع الشجر بعضَه على بعض ليمنع برد الريح والسِّباع عن إبله، قال الشاعر :
تَرَى جِيفَ المَطِيِّ بِجَانِبَيْهِ كَأَنَّ عِظَامَهَا خَشَبُ الْهَشِيمِ٨
وعن ابن عباس - ( رضي الله عنهما - )٩ أيضاً : أنهم كانوا مثل القمح الذي دِيسَ وهُشِمَ -. ( والهشيم :)١٠ فُتَات السُّنْبُلَةِ والتِّبْن١١.
روى أَبُو الزُّبَيْرِ عن جابر قال :«لما نزلنا الحِجْر في مَغْزَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبوك، قال : أيها الناس لا تسألوني الآياتِ، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم ناقةً، فبعث الله عزّ وجلّ إليهم الناقةَ وكانت ترد من ذلك الفجّ فتشرب ماءهم يوم ورْدِها ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون منها يوم غِبِّها»١٢.


١ ميميّ: وانظر هذه القراءة الشاذة في البحر ٨/١٨١ والكشاف ٤/٤٠. واختار الزمخشري المكان في تلك القراءة..
٢ يقصد سورة الإسراء عند قوله: وما كان ربك محظورا من الآية ٢٠. وقد ذكر معنى الحَظر وقال: وكثيرا ما يرِدُ في القرآن ذكر المحظور ويُراد به الحَرام. وانظر اللباب ميكروفيلم..
٣ سبق هذا البيت وأتى به هنا دلالة على أن "كان" بمعنى "صار". والبيت لامرئ القيس وتكملته:
بتيماءَ قفرٍ والمطيّ كأنها *** قطا الحزن قد طانت فراخا بيوضُها.

٤ في الرازي: كالحشيش بين الموتى..
٥ وقد قال بهذا الفصل الإمام الرازي..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية