ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ

ثم قال : إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً والحاصب فاعل من حصب إذا رَمَى بالحَصَا وهي الحجارة. وقال النَّضْرُ١ : الحَاصِبُ الحَصْبَاءُ في الرِّيح. وقال أبو عبيدة : الحاصب الحِجارة٢. وفي الصِّحاح : الحَاصِبُ الريح الشديدة التي تثير الحَصْبَاء، وكذلك الحَصْبَةُ، قال لَبيدٌ :

جَرَّتْ عَلَيْهَا أَنْ خَوَتْ مِنْ أَهْلِهَا أَذْيَالَها كُلُّ عَصُوفٍ حَصِبَهْ٣
( يقال ) : عَصَفَتِ الرِّيحُ أي اشتدت فهي ريحٌ عَاصِفٌ وعَصُوفٌ. وقال الفرزدق :
مُسْتَقْبِلِينَ شَمَالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُنَا بِحَاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ٤
قوله : إِلاَّ آلَ لُوطٍ فيه وجهان :
أحدهما : أنه متصل ويكون المعنى : أنه أرسل الحاصب على الجميع إلا أهله، فإنه لم يرسلْ عليهم.
والثاني : أنه منقطع٥. قال شهاب الدين : ولا أدري ما وَجْهُهُ ؛ فإن الانقطاع وعدمه عبارة عن عدم دخول المستثنى في المستثنى منه، وهذا داخلٌ ليس إلاَّ٦.
وقال أبو البقاء : هو استثناء منقطع. وقيل : متصل ؛ لأن الجميع أرسل عليهم الحاصب فهَلَكُوا إلا آلَ لوط. وعلى الوجه الأول يكون الحاصب لم يرسل على آل لوط٧. انتهى. وهو كلام مُشْكِلٌ٨.

فصل


قال ابن الخطيب : الحاصب رامي الحَصْبَاء، وهي الحجارة ؛ كقوله : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ [ الحجر : ٧٤ ] وقول الملائكة : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ [ الذاريات : ٣٣ ] مع أنَّ المرسلَ عليهم ليس بحاصب فيحتمل أن يكون المعنى : لنرسل عليهم ريحاً حاصباً بالحجارة٩. ويجوز تذكير الرِّيح ؛ لأن تأنيثها غير حقيقي. ويحتمل أن يكون المراد عذاب حاصب لأن ( أَرْسَلْنَا ) يدل على مُرسلِ وهو مرسل الحجارة وحاصبها، وأفرد للجنس. وقوله :«إنَّا أَرْسَلْنَا » كأنه جواب من قال : كَيْفَ كَانَ أَمْرُهُمْ ؟ والاستثناء في قوله : إِلاَّ آلَ لُوطٍ من الضمير في «عَلَيْهِمْ » وهو يعود على قوم لوط فيقتضي أن آلَهُ كَذَّبُوا، لكن قد يكون أهله قليلاً فعمهم ظاهر اللفظ فبين بالاستثناء خروجهم لأن المقصودَ بيانُ هلاكهم ومن نجا أو يكون الاستثناء من كلامٍ مدلول عليه أي فما أنجينا من الحاصب إلا آل لوط، ويكون الإرسال عليهم والإهلاك عامًّا، فكأن الحاصب أهلك من كان الإرسال عليه مقصوداً وغيرهم، كالأطفال والدَّوَابِّ١٠.
والمراد بآل لوط : من تبع على دينه ولم يكن إلا بِنْتَاهُ.
قوله :«نَجَّيْنَاهُمْ » تفسير وجواب لقائل يقول : فَمَا كان من شأن آلِ لوط ؟ كقوله تعالى : أبى [ البقرة : ٣٤ ] بعد قوله :«إلاَّ إبْلِيسَ ». وقد تقدم في البقرة١١.
قوله :«بِسَحَرٍ » الباء حالية أو ظرفية، وانصرف «سَحَرٌ » لأنه نكرة، ولو قصد به وقتٌ بعينه لمنع ( مِنَ ) الصَّرف للتعريف والعدل عن أل هذا هو المشهور.
وزعم صَدْرُ الأفَاضِلِ١٢ أنه مبني على الفتح كَأَمْسِ مبنياً على الكسر١٣.
و«نِعْمَةً » إما مفعولٌ له، وإما مصدرٌ١٤ بفِعلٍ من لفظهما أو من معنى «نَجَّيْنَاهُمْ » ؛ لأن تنجيتهم إنعامٌ، فالتأويل إما في العامل وإما في المصدر. و«مِنْ عِنْدِنَا » إما متعلق بنعْمةٍ، وإما بمحذوفٍ صفةً لها.
والكاف في «كَذَلِكَ » نعت مصدر محذوف أي مِثْلُ ذَلِكَ الْجَزَاءِ نَجْزِي.

فصل


قال الأخفش : إنّما جُرَّ سَحَر، لأنه نكرة، ولو أراد يوماً بعينه لم يَجُرَّه١٥. وكذا قال الزجاج : سحرٌ إذا كان نكرة يراد به سحر من الأسحار يصرف، نقول : سَحرُنَا هذا، وأتيته بسَحَرٍ، والسَّحَرُ هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب اختلاط سواد الليل بِبَيَاضِ النهار ؛ لأن في هذا الوقت تكون مخاييل الليل ومخاييل١٦ النهار.
نِعْمَةً مِنْ عِندِنَا إنعاماً على لوط وابْنَتَيْهِ.
كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ ، أي كما جازينا لوطاً وأهله بالإنجاء، فكذلك نجزي من شكر أي آمن بالله وأطاعه.
قال المفسرون : هو وعد لأمة محمد - عليه الصلاة والسلام - بأنه يصونهم عن الهلاك العام.
قال ابن الخطيب : ويمكن أن يقال : هو وعد لهؤلاء بالثواب يوم القيامة، كما أنجاكم في الدنيا من العذاب ؛ لقوله تعالى : وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشاكرين ١٧ [ آل عمران : ١٤٥ ].
١ هو النضر بن شُميل، أخذ عن الخليل بن أحمد، وعن فصحاء العرب كأبي خيرة الأعرابي وأبي الدُّقيش. مات سنة ثلاث أو أربع ومائتين في خلافة المأمون. وانظر نزهة الألباء من ٥٨ إلى ٦١..
٢ قاله في المجاز ٢/٢٤١ قال: "والحاصب أيضا يكون من الجليد"..
٣ من الرجز وهو له كما في ديوانه ٣٩ دار صادر. وخوت: أقفرت، والعصُوف: الريح العاصفة والحَصِبةُ التي تجرف الحصباء معها. وروي "عليه" بدل "عليها". و"كل" فاعل مؤخر و"أذيالها" مفعول مقدم. وقد جاء بالبيت ليُبيّن أن الحاصب والحصبة هي الريح الشديدة المثيرة. وانظر اللسان "حصب" ٨٩٣ والقرطبي ١٧/١٤٣ والصّحاح "حصب" أيضا..
٤ من البسيط له. و"نديف القطن" الذي يباع في السوق منذوفا فالندف هو الطرق. وشاهده كسابقه من أن الحاصب هو الريح الشديدة. وانظر البيت في المجاز ٢/٢٤١ وفتح القدير ٥/١٢٧ وروح المعاني ٢٧/٩٠ والقرطبي ١٧/١٤٣، ومجمع البيان ٩/٢٩١ والديوان ١/٢١٣..
٥ نقل الوجهين العكبري في التبيان ١١٩٤ واختار الثاني..
٦ الدر المصون مخطوط بمكتبة الإسكندرية لوحة رقم ١٢٢..
٧ التبيان المرجع السابق..
٨ حيث إن آل لوط مع من عُذّبوا حينما عارضوا فكيف لم يُرسَل الحاصب على آل لوط؟.
٩ التفسير الكبير له ١٥/٨٥ و٥٧..
١٠ بالمعنى من المرجع السابق..
١١ وراجع اللباب الجزء الأول ص ٧٧ نسخة ب..
١٢ هو أبو الفتح ناصر صدر الأفاضل، ابن أبي المكارم عبد السيد الخوارزمي المُطَرّزي كان يدعو للاعتزال قرأ على أبيه وغيره فنبغ في العربية، وسار ذكره وبعد صيته. من مؤلفاته النحوية: المصباح. توفي بخوارزم سنة ٦١٠ هـ، وانظر نشأة النحو ١٧٨ و١٧٩..
١٣ وقد خالف المطرزي العامة من النحاة في هذا الرأي كما نقل ذلك السيوطي في الهمع ١/١٩٦ وانظر المشكل في إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب ٢/٣٣٩..
١٤ التبيان ١١٩٤ واختار مكي في مرجعه السابق المفعول لأجله فقط..
١٥ لم أجده في معاني القرآن له وإنما نقله عنه القرطبي في الجامع ١٧/١٤٣..
١٦ وانظر في معاني القرن وإعرابه له ٥/٩..
١٧ وانظر التفسير الكبير للرازي بالمعنى ١٥/٦٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية