( ١٦ ) حاصبا : ريحا تحصب بالحجرة من شدتها.
كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر١( ٩ ) فدعا ربه أني مغلوب فانتصر( ١٠ ) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر( ١١ ) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر٢( ١٢ ) وحملناه على ذات ألواح ودسر٣( ١٣ ) تجري بأعيننا٤ جزاء لمن كان كفر( ١٤ ) ولقد تركناها آية فهل من مدكر٥ ( ١٥ ) فكيف كان عذابي ونذر( ١٦ ) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ( ١٧ ) كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر ( ١٨ )إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا٦ في يوم نحس مستمر( ١٩ ) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر٧( ٢٠ ) فكيف كان عذابي ونذر( ٢١ ) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر( ٢٢ ) كذبت ثمود بالنذر( ٢٣ ) فقالوا أبشرا منا واحد نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر٨ ( ٢٤ ) أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر٩( ٢٥ ) سيعلمون غدا من الكذاب الأشر( ٢٦ ) إنا مرسلوا الناقة فتنة١٠ لهم فارتقبهم واصطبر( ٢٧ ) ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر١١( ٢٨ ) فنادوا صاحبهم١٢ فتعاطى١٣ فعقر( ٢٩ ) فكيف كان عذابي ونذر( ٣٠ ) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم١٤ المحتضر( ٣١ )١٥ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر( ٣٢ ) كذبت قوم لوط بالنذر( ٣٣ ) إنا أرسلنا عليهم حاصبا١٦ إلا آل لوط نجيناهم بسحر( ٣٤ ) نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر( ٣٥ )ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا١٧ بالنذر( ٣٦ ) ولقد راودوه عن ضيفه١٨ فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر( ٣٧ ) ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر١٩( ٣٨ ) فذوقوا عذابي ونذر( ٣٩ ) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر( ٤٠ ) ولقد جاء آل فرعون النذر( ٤١ ) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر( ٤٢ ) [ ٩-٤٢ ].
في الآيات سلسلة لقصص أقوام نوح وعاد وثمود ولوط وفرعون مع أنبيائهم عليهم السلام، وقد جاءت عقب حكاية موقف كفار العرب من النبي صلى الله عليه وسلم وحكاية تكذيبهم له ولآيات لله والتنديد بهم وإنذارهم، وهو ما جرى عليه أسلوب النظم القرآني في إيراد القصص على ما شرحناه في تفسير سورة القلم، فهي والحالة هذه متصلة بالآيات السابقة اتصال تعقيب واستطراد.
وباستثناء قصة فرعون فقد جاءت القصص الأخرى مفصلة بعض الشيء، وهذه أول مرة تأتي كذلك مما يمكن أن يدل على أن ظروف السيرة وحكمة التنزيل اقتضتا أن تأتي هنا مسهبة بعض الشيء بعد الإشارات الخاطفة التي ذكرت بها من قبل، وفي هذا مشهد من مشاهد تطور التنزيل كما هو المتبادر.
والبيان القصصي مفهوم، وليس من حاجة إلى شرحه بأداء آخر، وأسلوب الآيات وصيغتها ومضمونها يؤيد ما قلناه من أن القصص القرآنية لم ترد لذاتها، وإنما للعظة والتذكير واللازمة التي تكررت عقب كل مقطع وهي : فذوقوا عذابي ونذر٣٩ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر تزيد ذلك توكيدا.
ولقد احتوت تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم من ناحية وتذكيرا وإنذارا للكفار من ناحية أخرى، فإذا كان قومه قد كذبوه ونعتوه بالجنون والكذب والسحر وزجروه وتحدوه فقد فعل الأقوام السابقون مثل ذلك مع أنبيائهم. ولقد نكل الله بهم فمنهم من أغرقه بالطوفان، ومنهم من أهلكه بالريح الصرصر. ومنهم من دمره بالرجفة وخسف به الأرض، ومنهم من أرسل عليه حاصبا. ومن الهيّن عليه أن ينكل بهؤلاء كما نكل بالسابقين إذا أصروا على مواقف التكذيب والعناد والمناوأة والصد.
والوصف الذي احتوته الآيات عن نكال الله للأقوام السابقة بسبب مواقفهم من أنبيائهم قوي مفزع. والمتبادر أنه استهدف فيما استهدفه إثارة الرعب في السامعين الكفار لحملهم على الارعواء.
تعليق توضيحي على القصص الواردة في السلسلة
والأنبياء وأقوامهم المذكورون في السلسلة ورد ذكرهم بإشارات مقتضبة في سور ق والنجم والمزمل والفجر والشمس. وأوردنا عنهم بعض التعريفات
ولقد ذكرنا في سياق التعريف بنوح أن قصته واردة في الإصحاحات [ ٥-٩ ] من سفر التكوين. ونقول هنا : إنه ليس في هذه الإصحاحات إشارة ما إلى ما جاء في الآيات التي نحن في صددها من خبر رسالة نوح إلى قومه وتكذيبهم إياه ونعتهم له بالمجنون. وقد جاء في الإصحاح السادس :[ أن الله رأى الأرض قد فسدت وكل جسد قد أفسد طريقه عليها فقال لنوح الذي نال حظوة في عيني الرب، وكان رجلا برا كاملا في أجياله، وسلك مع الله : قد دنا أجل كل بشر بين يدي فقد امتلأت الأرض من أيديهم جورا فها أنا ذا مهلكهم ] ثم أمره بصنع فلك من خشب ليدخل فيه هو وأهله لينجيهم وقال له : إني آت بطوفان مياه على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء وأقيم عهدي معك إلخ ]... وقد لا يكون بين هذا النص وفحوى الآيات تناقض. وليس ما يمنع إلى هذا أن يكون في أيدي الكتابين قراطيس أخرى فيها بيانات متطابقة مع النص القرآني.
ولقد صرف بعض المفسرين الضمير في جملة تركناها التي جاءت في الآية [ ١٥ ] من قصة نوح إلى سفينة نوح وأوردوا حديثا رواه البخاري في فصل التفسير من صحيحه جاء فيه أن قتادة قال :( إن الله تعالى أبقى سفينة نوح حتى أدركها أوائل هذه الأمة )١. وزاد الطبري والبغوي فرويا عن قتادة قوله أيضا :( أن الله أبقاها بباقردي من أرض الجزيرة ). وقد صرفها بعضهم إلى عذاب الله ونكاله الطوفاني بالكافرين المكذبين. وخبر آثار سفينة نوح على قمة جبل الجودي أو أرارات من الأخبار التي ظلت تتناقلها الأجيال إلى جيلنا. وقد حاول بعضهم التثبت من وجودها فلم يتمكنوا، فإذا كانت الكلمة عنتها فيكون ذلك لما كان مشهورا متداولا من أن السفينة استقرت على أرارات أو الجودي وظلت هناك. وإلا فيصرف الضمير في الجملة إلى الطوفان الذي كان نكالا وعذابا لقوم نوح على اعتبار أن خبر ذلك سيظل آية وعبرة للأجيال الآتية. والله أعلم.
والعذاب الرباني لعاد الذي ذكر في الآيات [ ١٩-٢٠ ] قد تكرر في سور أخرى بعد هذه. مثل سورة الحاقة التي جاء فيها : وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية٦ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية٧ فهل ترى لهم من باقية٨ وسورة الأحقاف التي جاء فيها : فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم٢٤ تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين٢٥ .
والمتبادر أن هذا مما كان متداولا من قصص عاد ونبيهم في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم على ما نبهنا عليه في التعريف الأول. ويقال هذا في صدد ثمود الذين تكررت قصتهم بعد هذه السورة، ويقال هذا كذلك في صدد قصة لوط وقومه التي وردت في الإصحاحين الثامن عشر والتاسع عشر من سفر التكوين بما يقارب ما جاء في القرآن على ما نبهنا عليه في التعريف الأول أيضا.
ونؤجل التوسع في التعليق على قصة رسالة موسى إلى فرعون إلى سور أخرى جاءت هذه القصة فيها مسهبة.
التفسير الحديث
دروزة