قوله :«سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ » العامة على سَيُهْزَمُ مبنياً للمفعول و«الجَمْعُ » مرفوعٌ به. وقرئ : سَتَهْزِمُ بتاء الخطاب(١)، خطاباً للرسول - عليه الصلاة والسلام - «الْجَمْعَ » مفعول به. وأبو حيوة في رواية يعقوب : سَنَهْزِمُ بنون(٢) العظمة، و«الْجَمْعَ » منصوب أيضاً. وابْنُ أَبِي عَبْلَةَ : سَيَهْزِمُ بياء الغيبة(٣) مبنياً للفاعل ( الجَمْعَ ) منصوب أي سيَهْزِمُ اللَّهُ.
و«يُوَلُّونَ » العامة على الغيبة. وأبو حيوة وأبو عمرو - في رواية(٤) - وتُوَلُّونَ بتاء الخطاب، وهي واضحة والدُّبُر هنا اسم جنس، وحسن هنا لوقوعه فاصلةً بخلاف : لَيُوَلُّنَّ الأدبار [ الحشر : ١٢ ].
وقال الزمخشري : أي الأدبار، كما قال :
كُلُوا فِي بَعْضِ بطْنِكُمُ تَصِحُّوا ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٥)
وقرئ الأدبار(٦).
قال أبو حيان : وليس مثل بعضِ بَطْنِكُمْ ؛ لأن الإفراد هنا له محسّن، ولا محسن لإِفراد بَطْنِكُمْ(٧).
قال ابن الخطيب : وأفْردَ «الدُّبُرُ » هنا وجُمع في غيره ؛ لأن الجمع هو الأصل، لأن الضمير ينوب مناب تَكْرار العاطف فكأنه قيل : تولى هذا وهذا. وأفرد لمناسبة المقاطع. وفيه إشارة إلى أن جميعهم يكونون في الانهزام كشخص واحد، وأما قوله : فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار فجمع لأن كل واحد برأسه منهيّ عن رأسه، وأما قوله : وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدبار أي كل واحد قال : أنا أثبت ولا أوَلِّي دُبُرِي(٨).
فصل
قال مقاتل : ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال : نحن نَقْتَصُّ اليومَ من مُحَمَّد وأصحابِهِ فأنزل الله تعالى : نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ .
وقال سعيد بن المسيب : سمعت عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) (٩) يقول :«لما نزل : سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّون الدُّبُرَ كنت لا أدري أي جمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في درعه ويقول : سَيُهْزَمُ الجَمْع وَيُوَلُّون الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ أعظم نائبةً وأشدّ مرارةً من الأسر والقتل يوم بدر »(١٠)، وفي رواية(١١) «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يَثِبُ في دِرْعِهِ ويقول :«اللَّهُمَّ إنَّ قُرَيْشاً حَادَّتْكَ وتُحَادّ رَسُولَكَ بفَخْرِهَا بخَيْلِهَا(١٢) فَأَخْنِهِمُ(١٣) العَدَاوَةَ »، ثم قال : سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ». وقال عمر(١٤) - ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) - : فَعَرَفْتُ تَأْويلهَا. وهذا من معجزات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبعُ سِنينَ، فالآية على هذا مكية. وفي البخاري عن عائشةَ أمِّ المؤمنين - ( رضي الله عنهما ) - قالت : لقد أنْزِلَ على مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - بمكة، وإني لجارية ألعبُ : بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ والساعة أدهى وَأَمَرُّ . «وعن ابن عباس ( - رضي الله عنهما - ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قُبَّةٍ له يوم بدر :«أَنْشُدُكَ عَهْدَك ووَعْدَكَ، اللَّهمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْم أبداً ». فأخذ أبو بكر بيده وقال : حَسْبُك يا رسول الله قد أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّك وهو في الدِّرع فخرج وهو يقول : سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيولُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ».
بل الساعة موعدهم يريد يوم القيامة والساعة أدهى وأمر مما لَحِقَهُمْ(١٥).
فصل
«أدْهَى » من الداهية وهي الأمر العظيم يقال : أَدْهَاهُ(١٦) أَمْرُ كَذَا أي أصابه دَهْواً ودَهْياً. وقال ابن السِّكِّيت(١٧) : دَهَتْهُ دَاهِيَةٌ دَهْوَاءُ ودَهْيَاءُ(١٨)، وهي توكيد لها.
٢ شاذة أيضا ذكرها أبو حيان في مرجعه السابق وابن خالويه في المختصر ١٤٨..
٣ البحر المحيط السابق أيضا..
٤ ولم ترو عنه في المتواتر. وانظر البحر المحيط السابق والقرطبي ١٧/١٤٥ ونسبها القرطبي لرويس عن يعقوب..
٥ سبق أنه صدر بيت لجرير وعجزه:
فإن زمانكم زمن خميصُ ***.....................
واستشهد به على أن المراد من المفرد –وهو البطن- الجمع أي البطون..
٦ ولم يحدد الزمخشري من قرأ بها. وانظر الكشاف ٤/٤١٢..
٧ البحر ٨/١٨٣..
٨ بالمعنى من تفسير العلامة الرازي في تفسيره الكبير ١٥/٦٨ و٦٩. والآيات المذكورة في تلك الفقرة من الآية ١٥ من الأنفال ومن الآية ١٥ من الأحزاب..
٩ زيادة من أ..
١٠ وانظر البغوي ٦/٢٧٨..
١١ رواها سعد بن أبي وقاص عن سعيد بن جبير وانظر القرطبي ١٧/١٤٦..
١٢ في نسخة ابن هشام في سيرته: بفخرها وخُيلائها..
١٣ أي أهلكهم وأت عليهم..
١٤ في القرطبي أنه سعد بن أبي وقّاص..
١٥ وانظر هذا كله في تفسير العلامة القرطبي ١٧/١٤٦ وانظر بعضه في معالم التنزيل للعلامة البغوي ٦/٢٧٨..
١٦ الصحيح كما في كتب اللغة دهاه ثلاثيًّا..
١٧ يعقوب أبو يوسف بن السكيت، كان من أكابر أهل اللغة والسّكِّيت لقب أبيه إسحاق. أخذ عن أبي عمرو الشيباني والفراء وابن الأعرابي، وأخذ عنه أبو سعيد السكري وأبو عكرمة الضبّي، وكان من أصحاب الكسائي حسن المعرفة بالعربية. مات سنة ٢٤٤. وقيل غير ذلك. وانظر نزهة الألباء ص ١٢٣..
١٨ القرطبي السابق واللسان دها ١٤٤٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود