( ٣ ) خلقناه بقدر : خلقناه بتدبير وحساب.
سورة القمر
في السورة إشارة إلى آية انشقاق القمر وحملة على الكفار لمكابرتهم وتكذيبهم لآيات الله. وتذكير لهم بأمثالهم المكذبين السابقين. والسورة ذات خصوصية فنية نثرية. وفصولها مترابطة تامة الانسجام والتوازن. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآيات [ ٤٤-٤٦ ] مدنيات، وانسجامها التام مع الآيات الأخرى يسوغ التوقف في صحة الرواية.
ولقد روى بعض المفسرين ومنهم ابن كثير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن الآية [ ٤٦ ] نزلت وهي جارية تلعب، وقد يكون في هذا قرينة مؤيدة لنزولها في مكة.
تعليق على الآية إنا كل شيء خلقناه بقدر
والآثار الواردة في موضوع القدر
ويظهر مما أورده المفسرون في سياق جملة إنا كل شيء خلقناه بقدر أن الجملة قد أخذت على معنى قدر الله السابق لخلقه وتقديره الأحداث من الأزل. وقد أوردوا في سياقها حديثا عن أبي هريرة قال :( جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر٤٨ إنا كل شيء خلقناه بقدر ). ١ ومقتضى الحديث أن تكون الآيات نزلت لحدة في هذه المناسبة مع أنها منسجمة نظما ووزنا وموضوعا في السياق العام. وأبو هريرة لم يذكر أنه سمع هذا من النبي أو أحد أصحابه من السابقين الأولين من المهاجرين من مكة. وهو ليس منهم وإنما أسلم بعد النصف الأول من العهد المدني. وفي القرآن مقاطع كثيرة ورد فيها كلمة [ القدر والتقدير وقدرنا ] ولكن لم نطلع على حديث نبوي أو صحابي يذكر أنها تعني القدر الذي هو موضوع البحث. على أن هناك أحاديث عديدة أخرى في موضوع القدر. منها ما أورده المفسرون في سياق هذه الآية ومنها ما أوردوه في سياق آيات أخرى من بابها. ومنها ما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة ومنها ما ورد في كتب وروايات محدثين آخرين.
فمن ذلك الحديث الطويل الذي أوردناه في بحث الملائكة في سورة المدثر والذي رواه الخمسة عن عمر بن الخطاب والذي فيه المحاورة التي جرت بين النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل عن الإسلام والإيمان ومن جملتها كون الإيمان بالقدر خيره وشره من أسس الإيمان٢. وحديث رواه الشيخان عن أنس قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل قد وكل بالرحم ملكا فيقول : أي رب نطفة. أي رب علقة. أي رب مضغة. فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال الملك : أي رب ذكر أو أنثى. شقي أو سعيد. فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيكتب كذلك في بطن أمه )٣. وحديث رواه الأربعة عن علي قال :( كان رسول الله جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال : ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار. قالوا : يا رسول الله فلم نعمل أفلا نتكل ؟ قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ فأما من أعطى واتقى٥ وصدق بالحسنى٦ فسنيسره لليسرى [ الليل : ٥-٧ ] الآيتين )٤.
وحديث رواه الترمذي ومسلم جاء فيه :( قيل يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأننا خلقنا الآن. ففيم العمل اليوم ؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل ؟ قال : لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال : ففيم العمل ؟ قال : كل عامل ميسر لعمله )٥. وحديث رواه الترمذي جاء فيه :( قال عمر يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو فيما قد فرغ منه فقال فيما قد فرغ منه. يا ابن الخطاب كل ميسر أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة. وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء )٦. وحديث رواه مسلم والترمذي عن عمران بن حصين قال :( إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله فقالا : يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه. أشيء قضي عليهم ومضى أو فيما يستقبلون به ؟ فقال : لا بل شيء قضي عليهم وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل : ونفس وما سواها٧ فألهمها فجورها وتقواها [ الشمس : ٧-٨ ]. وحديث رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال :( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم عن علم الله تعالى )٧.
وحديث رواه الترمذي عن جابر قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه )٨. وحديث رواه الترمذي والحاكم عن عائشة قالت :( قال النبي صلى الله عليه وسلم : ستة لعنتهم لعنهم الله وكل نبي كان : الزائد في كتاب الله والمكذب بقدر الله والمتسلط بالجبروت ليعز بذلك من أذل الله ويذل من أعز الله والمستحل لحرم الله. والمستحل من عترتي ما حرم الله والتارك لسنتي )٩.
وحديث رواه مسلم عن عبد الله أنه قال :( الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره، فسمعه رجل فأتى حذيفة فأخبره بذلك وقال : كيف يشقى رجل بغير عمل ؟ فقال له حذيفة : أتعجب من ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذ مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال : يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول : يا رب أجله. فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول : يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص )١٠.
وحديث عن ابن زرارة عن أبيه قال :( إن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية وقال : نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله )١١. وحديث رواه الإمام أحمد مؤيدا لهذا الحديث جاء فيه : إن عبد الله بن عمر كتب لصديق له من أهل الشام : إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إلي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( سيكون في أمتى أقوام يكذّبون بالقدر )١٢. وحديث عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له :( اعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، جفت الأقلام وطويت الصحف )١٣. وحديث رواه الإمام أحمد جاء فيه :( إن عبادة دخل على أبيه وهو مريض فقال له : يا أبتاه أوصني واجتهد لي فقال : أجلسوني فلما أجلسوه قال : يا بني إنك لم تطعم الإيمان، ولم تبلغ حق حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت : يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره ؟ قال : تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك. يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال له : اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار )١٤. وحديث رواه الترمذي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع : يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق. ويؤمن بالموت. ويؤمن بالبعث بعد الموت. ويؤمن بالقدر )١٥. وحديث رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال :( لكل أمة مجوس ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم )١٦. وحديث رواه الإمام أحمد عن طاووس اليماني قال : سمعت ابن عمر قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء بقدر حتى العجز والكيس )١٧.
وحديث رواه مسلم والترمذي عن ابن عمر بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال : كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة )١٨. وحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن عمران بن حصين قال :( قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار ؟ قال : نعم، قيل : ففيم يعمل العاملون ؟ قال : كل ميسر لما خلق له )١٩. وحديث وصفه ابن كثير بالصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( استعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك أمر فقل : قدر الله وما شاء فعل، ولا تقل لو إني فعلت لكان كذا فإن [ لو ] تفتح عمل الشيطان٢٠. وحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن عبد الله قال :( حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق فقال : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها )٢١. وحديث رواه الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية )٢٢. وحديث رواه مسلم وأبو داود جاء فيه :( قيل لابن عمر : إنه ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وإنهم يزعمون أن لا قدر وإن الأمر أنف فقال : فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر : لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر )٢٣.
وحديث رواه الطبراني عن ابن عباس قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أول ما خلق الله القلم والحوت، قال للقلم : اكتب. قال : ما أكتب ؟ قال : كل شيء كائن إلى يوم القيامة )٢٤. وحديث رواه ابن عساكر عن أبي هريرة قال :( سمعت رسول الله يقول : إن أول ما خلقه الله القلم، ثم خلق النون وهي الدواة، ثم قال له اكتب. قال : وما أكتب ؟ قال : اكتب ما يكون أو ما هو كائن من عمل أو رزق أو أجل، فكتب ذلك إلى يوم القيامة " ٢٥.
وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة قال :( خرج علينا رسول صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمر وجهه كأنما فقئ في وجنتيه الرمان، فقال : أبهذا أمرتم ؟ أم بهذا أرسلت إليكم ؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر. عزمت عليكم، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه )٢٦.
والذي يتبادر لنا من ناحية الآية بذاتها ومن روحها وروح السياق : أنها في صدد الإيذان بأن الله قد خلق كل شيء بحساب مقدر بما اقتضت حكمته أن يكون عليه أو خلق كل شيء على قدر معلوم ووضع محدد أو على الشكل الموافق له. وفي سورة السجدة آية فيها تعبير قوي عن ذلك وهي : الذي أحسن كل شيء خلقه... [ ٧ ] وقد قال هذا غير واحد من المفسرين عزوا إلى ابن عباس وغيره من علماء الصحابة والتابعين٢٧.
ومن ناحية موضوع القدر بمعنى أن كل شيء وعمل من أحداث الدنيا وأعمال الناس مقدرة في الأزل محتومة الوقوع فهو من المسائل الخلافية الكلامية التي نشبت بين علماء المسلمين في صدر الإسلام وتشعبت في زمن الدولتين الأموية والعباسية، وقام فرق عديدة يناقض بعضها بعضا في الأمر. وأكثر ما كان من ذلك هو في صدد أفعال الناس ومكتسباتهم ؛ حيث أنكر بعضهم أن تكون محتومة مقدرة من الأزل وأثبت بعضهم ذلك وتوسط بعضهم فجعل للإرادة الجزئية التي أودعها الله في الناس أثرا في أفعال الناس ومكتسباتهم. واجتهد كل فريق في تأييد قوله بآيات وأحاديث ومبادئ من المنطق مما لا يتحمل منهج الكتاب التبسط فيه. ونحن نرجح أنه كان لما وقع في صدر الإسلام من الفتن والحروب التي بدأت في أواخر خلافة عثمان رضي الله عنه وامتدت إلى خلافة علي رضي الله عنه، ثم استمرت طيلة الدولة الأموية وشطرا من الدولة العباسية أثر كبير في ذلك.
ولقد كان هناك تياران متعارضان :
تيار يحمل مسؤولية ما كان على القائمين بالأمر ويسعى إلى التغيير على اعتبار أن ذلك من كسبهم.
وتيار يعطف ما كان على قدر الله المحتوم ويسعى إلى ال
٢ - التاج جـ ٥ ص ١٧٣-١٧٤..
٣ - انظر المصدر نفسه..
٤ - انظر المصدر نفسه.
٥ - التاج جـ ٥ ص ١٧٣-١٧٤..
٦ - المصدر نفسه..
٧ - انظر المصدر نفسه..
٨ - انظر المصدر نفسه جـ٥ ص ١٧٢-١٧٣..
٩ - انظر المصدر نفسه.
١٠ - التاج جـ٥ ص ١٧٢-١٧٣..
١١ - النصوص من ابن كثير والآية المقصودة هي آيات السورة التي نحن في صددها.
١٢ - انظر المصدر نفسه..
١٣ - انظر المصدر نفسه..
١٤ - هذا النص من ابن كثير وقد روى أبو داود والترمذي هذا الحديث بصيغة أخرى ليبس بينها وبين نص ابن كثير فرق جوهري..
١٥ - التاج جـ١ ص ٣٣، وقد روى ابن كثير هذا الحديث عن سفيان الثوري عن علي بزيادة في آخره وهي: (ويؤمن بالقدر خيره وشره)..
١٦ - النص من ابن كثير وقد روى مثله أبو داود بصيغة قريبة، التاج ج ١ ص ٣٣..
١٧ - النص من ابن كثير..
١٨ - التاج ج ١ ص ٣٢..
١٩ - انظر المصدر نفسه..
٢٠ - النص من تفسير ابن كثير لسورة القمر..
٢١ - التاج جـ١ ص ٣١-٣٤..
٢٢ - انظر المصدر نفسه..
٢٣ - انظر المصدر نفسه وكلمة [أنف] تعني أن أعمال الناس حادثة وليست مقدرة أزليا....
٢٤ من ابن كثير في تفسير سورة القلم..
٢٥ - انظر المصدر نفسه..
٢٦ - التاج جـ٤ ص ٢٢٣..
٢٧ - انظر الخازن والطبرسي والزمخشري والطبري..
التفسير الحديث
دروزة