تمهيد :
يختم هنا أربع قصص متتابعة هي خلاصة قصص نوح وهود وصالح ولوط مع أقوامهم، بقصة فرعون وهلاكه بالغرق، ثم يخاطب الله أهل مكة موبخا لهم، مبينا أنهم معرّضون لمثل هذا الهلاك، وسيهزمون يوم بدر ويولون الأدبار، ثم يلقون عذابا أشدَّ في الآخرة، ثم يعرض مظاهر العذاب للمجرمين والمشركين، ومظاهر النعيم للمتقين.
وتختم السورة هذا الختام القويّ الآسر، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بسورة " ق " وسورة " القمر "، في المحافل الكبار كالجُمع والعيد، لاشتمالهما على التوحيد وبدء الخلق وإعادته، وإثبات النبوات، وغير ذلك من المقاصد العظيمة.
وفي فضل سورتي القمر وق يروي الإمام أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بـ ق. واقتربت الساعة وانشق القمر. في الأضحى والفطر. x
المفردات :
خلقناه بقدر : بتقدير سابق، أو خلقناه مقدّرا محكما.
التفسير :
٢٨- إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ .
كل شيء في هذا الكون أبدع الله صنعه، وأحكم تقديره على مقتضى الحكمة البالغة، والنظام الشامل وبحسب السنن التي وضعها في الخليقة.
قال تعالى : وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا . ( الفرقان : ٢ ).
وقال عز شأنه : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى . ( الأعلى : ١-٣ ).
وقد استدل أهل السنة بهذه الآية الكريمة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته – أي تسجيله – لها قبل حدوثها.
أخرج الإمام أحمد، ومسلم، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل شيء بقدَر، حتى العجز والكسل " xii.
وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد ومسلم أيضا، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " استعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك أمر فقل : قدَّر الله وما شاء فعل، ولا تقل : لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان " xiii.
وأخرج أحمد، والترمذي، والحاكم، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " يا غلام، إني أعلّمك كلمات : احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام وطويت الصحف " xiv.
إذا تأملنا في هذا الكون البديع المنظم أدركنا أن يد القدرة البالغة وراء التناسق والتكامل بين أجزاء الكون وما فيه.
فالسماء والنجوم والكواكب والمجرات، والشمس والقمر والليل والنهار، والأرض والبحار والأنهار، والجبال والهواء والفضاء، كل هذه المخلوقات على آية من الإبداع والتناسق والتكامل، بحيث تصيح وهي صامته : إن يد القدرة الإلهية التي أبدعت كل شيء، وخلقت النجوم بقدر في مجراتها ومسيراتها، إلى حدّ أن افتراض أي اختلال في أية نسبة من نسبها يودي بهذه الحياة كلّها، أو لا يسمح أصلا بقيامها، فحجم الأرض وكتلتها وبعدها عن الشمس، وكتلة هذه الشمس، ودرجة حرارتها، وميل الأرض على محورها بهذا القدر، وسرعتها في دورانها حول نفسها وحول الشمس، وبُعْد القمر عن الأرض، وحجمه وكتلته، وتوزيع الماء واليابس في هذه الأرض... إلى آلاف من هذه النسب المقدرة تقديرا، لو وقع الاختلال في أيّ منها لتبدّل كل شيء، ولكانت هي النهاية المقدَّرة لعمر الحياة على هذه الأرض.
قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا . ( سورة فاطر : ٤١ ).
سبحان من بيده ملكوت السماوات والأرض، وسبحان من بيده الخلق والأمر، وهو على كل شيء قدير.
قال تعالى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً . ( الإسراء : ١٢ ).
وستجد في أعقاب تفسير سورة ( القمر ) إن شاء الله ضميمة في بيان النظام البديع في هذا الكون.
قال تعالى : ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ . ( السجدة : ٦-٧ )
تفسير القرآن الكريم
شحاته