أن لا يجرى، ذكر ذلك الفراء (١).
قال عطاء: سفر الطبق السادس من جهنم (٢).
وقال الكلبي: إذا ألقوا فيها لا تُبْقي لهم عظمًا ولا لحمًا فيعادون خلقًا جديدًا (٣)، وتم الكلام.
٤٩ - ثم ابتدأ كلامًا آخر فقال: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ قال الكلبي عن ابن عباس: إنا كل شيء جعلنا له شكلًا يوافقه ويصلح له، فالمرأة للرجل، والأتان للحمار، والرمكة للفرس، وثياب الرجال للرجال لا تصلح للنساء، وثياب النساء للنساء لا تصلح للرجال، وكذلك ما شاكلها على هذا (٤).
وقال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي كقوله: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق: ٣] وهذا قول الربيع (٥).
وقال مقاتل: يعني أنه قدر لهم العذاب (٦)، وعلى هذا التفسير الآية متصلة بما قبلها، وروى محمد بن عياد المخزومي (٧) عن أبي هريرة أن
(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٤٧.
(٣) لم أجده، ومعناه: نفى توهم خفة عذاب النار وأنه مجرد مس فوضح أن مسها يصل إلى العظم واللحم ثم يعاد كما بدأ كما في قوله تعالى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ... [النساء: ٥٦].
(٤) انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ٢٩ أ، ب، ذكره عن ابن عباس من غير سند.
(٥) انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ٢٩ أ.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" ١٣٤ ب.
(٧) محمد بن عياد بن جعفر المخزومي، المكي، ثقة.
انظر: "تقريب التهذيب" ٢/ ١٧٤.
قوله: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ إلى قوله: خَلَقْنَاهُ بِقَدَر نزلت في القدرية (١)، وذلك أن مشركي قريش جاءوا إلى النبي -صلي الله عليه وسلم - يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآيات (٢)، وهذا قول محمد بن كعب القرظي قال: نزلت تعييرًا لأهل القدر (٣).
وعلى هذا القول المراد بالمجرمين القدرية المشركون وإخوانهم من قدرية هذه الأمة، يكونون في حكمهم. يدل على ذلك ما روى زرارة (٤) أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قرأ هذه الآيات وقال: "إنها نزلت في ناس يكونون في آخر أمتي يكذبون بقدر الله" (٥).
(٢) رواه مسلم في كتاب القدر، باب: كل شيء بقدر، وأحمد في "مسنده" ٢/ ٤٤٤، والترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة القمر، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والثعلبي في "تفسيره" ١٢/ ٢٩ ب، والواحدي في "أسباب النزول" ص ٤٢٥.
(٣) انظر: "جامع البيان" ٢٧/ ٦٥.
(٤) في (ك): (زراة) وهو زرارة بن أوفى العامري، أبو حاجب، قاضي البصرة، ثقة، عابد، قرأ في الصبح فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فخر ميتًا سنة (٩٣ هـ). انظر: "طبقات ابن سعد" ٧/ ١٥، و"أخبار القضاة" ١/ ٢٩٢، و"تاريخ البخاري" ٣/ ٤٣٨، و"صفة الصفوة" ٣/ ٢٣، و"سير أعلام النبلاء" ٤/ ٥١٥.
(٥) رواه ابن أبي حاتم، والطبراني. قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه. "مجمع الزوائد" ٧/ ١١١.
وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص ٤٦٤، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٢٦٧.
وروي عن أبي ذر قال: قدم وقد نجران على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا؟ فأنزل الله هذه الآيات. فقالوا: يا محمد يكتب علينا الذنب ويعذبنا؟ فقال: "أنتم خصماء الله يوم القيامة" (١).
ويؤكد هذا ما روى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن رسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "ينادي مناد يوم القيامة ليقم خصماء الله، وهم القدرية" (٢).
ويزيد وضوحًا هذه الجملة ما روي عن كعب أنه قال: نجد في التوراة أن القدرية يسحبون في النار على وجوههم، وهو قول عطاء عن ابن عباس أن الآيات نزلت في القدرية من المشركين الذين جادلوا رسول الله -صلي الله عليه وسلم - (٣).
وعلى هذا معنى قوله: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ أي كل ما خلقناه فمقدور مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، يدل على هذا قوله: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ذكر ذلك أبو إسحاق (٤).
(٢) رواه ابن أبي عاصم في "كتاب السنة" ١/ ١٤٨، باب إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم خصماء الله تعالى. وقال عنه الألباني: إسناده ضعيف، ورواه الطبراني في الأوسط من رواية بقية، وهو مدلس، وحبيب بن عمرو مجهول. انظر: "مجمع الزوائد" ٧/ ٢٦ وقال الألباني -بعد ذكره للحديث وتخريج الهيثمي وحكمه على بقية وحبيب بن عمرو- قلت: قد شرح بقية بالتحديث عند المصنف فزالت شبهة تدليسه وانحصرت في شيخه.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ٥/ ٣١١، قال ابن حجر: وأشتهر على ألسنة السلف والخلف أن هذه الآية نزلت في القدرية. انظر: "فتح الباري" ١١/ ٤٧٨.
(٤) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ٩٢.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي