فِي سُورَةِ يس [٦٩]، وَلَا يُقَالُ: عَلَّمْتُهُ زَيْدًا صَدِيقًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: أَعْلَمْتُهُ زَيْدًا صَدِيقًا، فَفِعْلُ عَلِمَ إِذَا ضُعِّفَ كَانَ بِمَعْنَى تَحْصِيلِ التَّعْلِيمِ بِخِلَافِهِ إِذْ عُدِّيَ بِالْهَمْزَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِتَحْصِيلِ الْإِخْبَارِ وَالْإِنْبَاءِ.
وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ نِعَمًا عَظِيمَةً عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً فِي الْآخِرَةِ وَقَدَّمَ أَعْظَمَهَا وَهُوَ نِعْمَةُ الدِّينِ لِأَنَّ بِهِ صَلَاحَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَبِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ يَحْصُلُ لَهُمُ الْفَوْزُ فِي الْآخِرَةِ. وَلَمَّا كَانَ دِينُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلَ الْأَدْيَانِ، وَكَانَ هُوَ الْمُنَزَّلَ لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْإِبَّانِ، وَكَانَ مُتَلَقًّى مِنْ أَفْضَلِ الْوَحْيِ وَالْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَهُوَ الْقُرْآنُ، قَدَّمَهُ فِي الْإِعْلَامِ وَجَعَلَهُ مُؤْذِنًا بِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الدِّينِ وَمُشِيرًا إِلَى النِّعَمِ الْحَاصِلَةِ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْأَدْيَانِ كَمَا قَالَ: هَذَا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [الْأَنْعَام:
٩٢].
وَمُنَاسَبَةُ اسْمِ الرَّحْمنُ لِهَذِهِ الْاِعْتِبَارَاتِ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٧].
والْقُرْآنَ: اسْمٌ غَلَبَ عَلَى الْوَحْيِ اللَّفْظِيِّ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ وتعبّد أَلْفَاظه.
[٣]
[سُورَة الرَّحْمَن (٥٥) : آيَة ٣]
خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣)
خَبَرٌ ثَانٍ، وَالْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ جِنْسُ الْإِنْسَانِ وَهَذَا تَمْهِيدٌ لِلْخَبَرِ الْآتِي وَهُوَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ [الرَّحْمَن: ٤].
وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ لَا يُنَازِعُونَ فِيهَا وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا أَعْرَضُوا عَنْ مُوجِبِهَا وَهُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ، سِيقَ لَهُمُ الْخَبَرُ بِهَا عَلَى أُسْلُوبِ التَّعْدِيدِ بِدُونِ عَطْفٍ كَالَّذِي يَعُدُّ لِلْمُخَاطَبِ مَوَاقِعَ أَخْطَائِهِ وغفلته، وَهَذَا تبكيث ثَانٍ.
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
محمد الطاهر بن عاشور