ﮂﮃﮄ

قوله : والشمس والقمر بحسبان فيه ثلاثة أوجه١ :
أحدها : أن الشمس مبتدأ، و«بِحُسْبَان » خبره على حذف مضاف، تقديره : جري الشمس والقمر بحسبان، أي كائن، أو مستقر، أو استقر بحُسْبَان.
الثاني : أن الخبر محذوف يتعلق به هذا الجار، تقديره : يجريان بحُسْبَان.
وعلى هذين القولين، فيجوز في الحسبان وجهان :
أحدهما : أنه مصدر مفرد بمعنى «الحُسْبان »، فيكون ك «الشُّكْران » و«الكُفْران ».
والثاني : أنه جمع حساب، ك «شهاب » و«شُهْبَان ».
والثالث : أن «بحسبان » خبره، و«الباء » ظرفية بمعنى «في » أي : كائنان في حسبان.
وحسبان على هذا اسم مفرد، اسم للفلك المستدير، مشبهة بحسبان الرَّحَى الذي باستدارته تدور الرّحى.

فصل


لما ذكر خلق الإنسان وإنعامه عليه لتعليمه البيان، ذكر نعمتين عظيمتين، وهما : الشمس والقمر، وأنهما على قانون واحد وحسابٍ٢ لا يتغيران، وبذلك تتم منفعتهما للزراعات وغيرها، ولولا الشمس لما زالت الظلمة، ولولا القمر لفات كثير من المنافع الظاهرة، بخلاف غيرهما من الكواكب، فإن نعمها لا تظهر لكل أحد مثل ظهور نعمتهما، وأنهما بحساب لا يتغير أبداً، ولو كان مسيرهما غير معلوم للخلق لما انتفعوا بالزِّراعات في أوقاتها، ومعرفة فصول السَّنة.
ثم لما ذكر النعم السماوية وذكر في مقابلتها أيضاً نعمتين ظاهرتين من الأرض، وهما : النبات الذي لا ساق له، وما له ساق ؛ لأن النبات أصل الرزق من الحبوب والثمار، والحشيش للحيوان.
وقيل : إنما ذكر هاتين النعمتين بعد تعليم القرآن إشارة إلى أن من الناس من لا تكون نفسه زكيّة، فيكتفي بأدلة القرآن، فذكر له آيات الآفاق، وخص الشمس والقمر ؛ لأن حركتهما بحسبان تدل على الفاعل المختار.
ولو اجتمع العالم ليبيّنوا سبب حركتهما على هذا التقدير المعين لعجزوا، وقالوا : إن الله حركهما بالإرادة كما أراد.
وقيل : لما ذكر معجزة القرآن بإنزاله أنكروا نزول الجرم من السماء وصعوده إليها، فأشار تعالى بحركتهما إلى أنها ليست بالطبيعة.
وهم يقولون بأن الحركة الدّورية من أنواع الحركات لا يكون إلا اختيارياً، فقال تعالى : من حرّكهما على الاستدارة أنزل الملائكة على الاستقامة، والثقيل على مذهبكم لا يصعد، وصعود النَّجم والشجر إنما هو بقدرة الله تعالى، فحركة الملك كحركة الفلك جائزة.

فصل في جريان الشمس والقمر


قال المفسرون :[ المعنى ]٣ يجريان بحسبان معلوم فأضمر الخبر.
قال ابن عباس وقتادة وأبو مالك : يجريان بحساب في منازل لا تعدوها ولا يحيدان٤ عنها.
وقال ابن زيد وابن كيسان : بهما تحسب الأوقات والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدرك أحد كيف يجد شيئاً إذا كان الدهر كله ليلاً أو نهاراً٥.
وقال السدي :«بحسبان » تقدير آجالهما٦، أي : يجريان بآجال كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا، نظيره : كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى [ الرعد : ٢ ].
وقال الضحاك : بقدر٧.
وقال مجاهد :«بحسبان »٨ كحُسْبَان الرَّحى يعني : قطعها، يدوران في مثل القُطْب.
والحُسْبَان : قد يكون مصدر «حسبته أحسبُه بالضم حَسْباً وحِسَاباً وحُسْبَاناً » مثل الغُفْرَان والكُفْران والرُّجحان.
وحسبته أيضاً : أي عددته.
وقال الأخفش : ويكون جماعة الحساب، مثل «شِهَاب، وشُهْبَان »٩.
والحُسْبَان - بالضم - أيضاً : العذاب والسِّهام القصار، الواحدة : حُسْبَانة١٠.
والحُسْبانة أيضاً : الوِسادَة الصغيرة تقول منه :«حَسَّبْتُهُ » إذا وسدته١١. قال :[ مجزوء الكامل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . لَثَوَيْتَ غَيْرَ مُحَسَّبِ١٢
أي غير مُوسَّد، يعني : غير مكرم ولا مكفن.
١ ينظر: الدر المصون ٦/٢٣٦، البحر المحيط ٨/١٨٧..
٢ في أ: بحسبان..
٣ سقط من ب..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٧٣) عن ابن عباس وقتادة وأبي مالك وأخرجه الحاكم (٢/٤٧٤) عن ابن عباس وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩٠) عن ابن عباس وزاد نسبته إلى الفريابي، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وذكره أيضا عن أبي مالك وعزاه إلى ابن المنذر وعبد بن حميد..

٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٧٤) عن ابن زيد وذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٦٧) وكذا الماوردي (٥/٤٢٣ -٤٢٤)..
٦ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/٤٢٣)..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٧٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩١) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٧٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩١) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر..
٩ ينظر لسان العرب ٢/٨٦٦..
١٠ ينظر لسان العرب ٢/٨٦٦..
١١ ينظر: لسان العرب ٢/٨٦٧..
١٢ البيت لنهيك الفرازي يخاطب عامر بن الطفيل وتمام البيت:
لَتَقيت بالوجعاء طعنة رهف مرّان أو لثويت غير محسَّب
ينظر القرطبي ١٧/١٠٠، اللسان (حسب)، وتاج العروس (حسب)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية