٥٠ - قوله تعالى: فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ قال عطاء عن ابن عباس: عينان مثل الدنيا أضعافًا مضاعفة حصباؤها الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر ترابها الكافور، وجماتها المسك الأذفر، وحافاتها الزعفران (١).
وقال الحسن: تجريان بالماء الزلال إحداهما السلسبيل والأخرى النسيم (٢).
٥٢ - قوله تعالى: فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ أي ضربان وصنفان ونوعان، كل هذا من ألفاظهم، والمعنى أن فيهما من كل ما يتفكه به ضربين رطبًا ويابسًا، لا يقصر يابسه عن رطبه في الفضل والطيب، ولا رطبه عن يابسه في العدم (٣) كما يكون في الدنيا، وقيل: ضربان: ضرب معروف، وضرب من شكله غريب (٤).
قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا قال صاحب النظم: (متكئين) حال للذين ذكروا في قوله: وَلِمَنْ خَافَ (٥) و (من) ينبئ عن الجميع.
وقوله: بَطَائِنُهَا جمع بطانة، وهي التي تحت الطهارة، وذكرنا تفسيرها عند قوله: بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران: ١١٨].
قال أبو إسحاق: وهي ما يلي الأرض (٦).
(١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٧٨ - ١٧٩.
(٢) انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ٤٣ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٧٤.
(٣) كذا في (ك)، والوسيط ولم أتبين معناها.
(٤) "جامع البيان" ٢٧/ ٨٦، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٧٤.
(٥) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٣١٣، و"البحر المحيط" ٨/ ١٩٧.
(٦) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ١٠٤، و"فتح القدير" ٥/ ١٤١.
وقال الفراء: أراد بالبطائن الظواهر، وقد يكون بالبطانة ظهارة والظهارة بطانة، وذلك أن كل واحد منهما يكون وجهًا، وقد تقول العرب: هذا ظهر السماء لظاهرها الذي نراه.
وحكي عن ابن الزبير أنه ذكر قتلة عثمان فقال: قتلهم الله شر قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب، يعني: هربوا ليلًا فجعل ظهور الكواكب بطونا (١)، وهذا قول مقاتل قال: يعني ظواهرها (٢). ونحو ذلك قال المؤرج، قال: وهو بلغة القبط، وأنكر ذلك ابن قتيبة وقال: هذا من عجيب التفسير، كيف تكون البطانة ظهارة والطهارة بطانة، والبطانة ما بطن من الثوب وكان من شأن الناس إخفاؤه، والظهارة ما ظهر وكان من شأن الناس إبداؤه، وإنما يجوز ما قاله الفراء في ذي الوجهين المتساويين إذا ولي كل واحد منهما قومًا كحائط يلي أحد صفحيه قومًا والصفح الآخر قومًا أخرى فكل وجه من الحائط ظهر لمن يليه وكل واحد من الوجهين ظهر وبطن وكذلك وجها الجبل وما شاكله، ويجوز أن يجعل ما يليهما من وجه السماء والكواكب ظهرًا وبطنًا وكذلك سقوف البيت، فأما الثوب فلا يجوز أن يكون بطانته ظهارة، وظهارته بطانة، ولا يجوز لأحد أن يقول لوجه المصلى هذا بطانته ولما ولي الأرض ظهارته، وإنما أراد الله تعالى أن يعرفنا من حيث نفهم فضل هذه الفرش، وإنما ولي الأرض منها استبرق وإذا كانت البطانة كذلك فالظهارة أعلى وأشرف (٣).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" ١٣٦ ب، وذكره القرطبي ١٧/ ١٨ عن الحسن.
(٣) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص ٤٤١ - ٤٤٢.
ويؤكد قول ابن قتيبة ما روي عن ابن مسعود أنه قال: أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر (١).
وقال أبو هريرة: هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر (٢)، وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من استبرق فما الظواهر، فقال: هذا مما قال الله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧]، وقال أيضًا: الظواهر من نور جامد (٣)، وقال ابن عباس: وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظواهر (٤).
وقوله: مِنْ إِسْتَبْرَقٍ قال المفسرون يعني: ما غلظ من الديباج، وذكرنا الكلام فيه في سورة الكهف (٥).
قوله تعالى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ الجنى: ما يجتنى من الثمار، قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما وإن شاء قاعدًا وإن شاء مضطجعًا (٦)، وقال قتادة: لا يرد يده بُعدٌ ولا شوك (٧).
(٢) انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ٤٤ أ، و"زاد المسير" ٨/ ١٢١، و"الجامع لأحكام القرآن" ٨/ ١٧٩.
(٣) انظر: "جامع البيان" ٢٧/ ٨٦، و"الكشف والبيان" ١٢/ ٤٤ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٧٤، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٧٩.
(٤) انظر: "معالم التنزيل" ٤/ ٢٧٤، و"زاد المسير" ٨/ ١٢١.
(٥) عند تفسيره الآية (٣١) من سورة الكهف.
وانظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ١١٨، و"اللسان" ١/ ١٩٧ (برق).
(٦) انظر: "تنوير المقباس" ٤/ ٣٢١، و"الوسيط" ٤/ ٢٢٧، و"ابن كثير" ٤/ ٢٧٧.
(٧) انظر: "تفسير عبدالرزاق" ٢/ ٢٦٥، و"جامع البيان" ٢٧/ ٨٧.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي