ﯳﯴﯵ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٢:قوله تعالى : وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ .
أي : من دون تلك الجنتين المتقدمتين جنَّتان في المنزلة وحسن المنظر، وهذا على الظاهر من أن الأوليين أفضل من الأخريين، وقيل : بالعكس، ورجحه الزمخشري١.
وقال : قوله : مُدْهَامَّتَانِ مع قوله في الأوليين : ذَوَاتَا أَفْنَانٍ يدل على أن مرتبة هاتين دونهما، وكذلك قوله في الأوليين : فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ مع قوله في هاتين : فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ؛ لأن النضخ دون الجري، وقوله في الأوليين : فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ مع قوله في هاتين : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ ، وقوله في الأوليين : فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ حيث ترك ذكر الظهائر لعلوها ورفعتها، وعدم إدراك العقول إياها، مع قوله في هاتين :«رفرفٍ خُضرٍ » دليل عليه.
وقال القرطبي٢ : لما وصف الجنتين أشار إلى الفرق بينهما، فقال في الأوليين : فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ وفي الأخريين : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ولم يقل : من كل فاكهة.
وقال في الأوليين : مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وهو الدِّيباج.
وفي الأخريين : مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [ الرحمان : ٧٦ ] و«العَبْقَرِي » : الوشْي، والديباج أعلى من الوشي.
والرفرف : كسرُ الخباء، والفرش المعدة للاتِّكاء عليها أفضل من كسر الخباء.
وقال في الأوليين في صفة الحور : كَأَنَّهُنَّ الياقوت والمرجان .
وفي الأخريين : فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسانٌ ، وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان.
وقال في الأوليين : ذَوَاتَا أَفْنَانٍ .
وفي الأخريين : مُدْهَامَّتَانِ أي : خضراوان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان، وفي هذا كله بيان لتفاوت ما بينهما.
قال ابن الخطيب٣ : ويمكن أن يجاب الزمخشري بأن الجنتين اللتين من دونهما لذريتهم التي ألحقهم الله - تعالى - بهم ولأتباعهم لا لهم، وإنما جعلها لهم إنعاماً عليهم، أي : هاتان الأخريان لكم، أسكنوا فيهما من تريدون.
وقيل : إن المراد بقوله : وَمِن دُونِهِمَا أي : دونهما في المكان، كأنهم في جنتين، ويطلعون من فوق على جنتين أخريين، بدليل قوله تعالى : لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار [ الزمر : ٢٠ ].
وقال ابن عباس : ومن دونهما في الدّرج٤.
وقال ابن زيد : ومن دونهما في الفضل٥.
وقال ابن عباس : والجنات لمن خاف مقام ربه، فيكون في الأوليين : النخل والشجر وفي الأخريين : الزرع والنبات٦.
وقيل : المراد من قوله : وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ لأتباعه لقصور منزلتهم عن منزلة أحدهما للحور العين، والأخرى للولدان المخلدون ليتميز بها الذكور من الإناث.
وقال ابن جريج : هي أربع جناتٍ منها للسابقين المقربين فيها من كل فاكهة زوجان، وعينان تجريان، وجنات لأصحاب اليمين فيها فاكهة ونخل ورمان.
وقال أبو موسى الأشعري : جنتان منها للسَّابقين، وجنتان من فضَّة للتابعين.
وقال عليه الصلاة والسلام :«جَنَّتانِ من فضَّةٍ، آنيتُهمَا وما فيهمَا، وجنَّتانِ مِنْ ذهبٍ آنيتُهُمَا وما فِيهَما، وما بَيْنَ القَوْمِ وبيْنَ أن يَنْظرُوا إلى ربِّهِمْ إلاَّ رِدَاءُ الكِبرياءِ على وجْهِهِ في جنَّة عدْنٍ »٧.
وقال الكسائي : وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ أي : أمامهما وقبلهما.
قال البغوي٨ :«يدلّ عليه قول الضحاك : الجَنَّتان الأوليان من ذهب وفضّة، والأخريان من ياقُوت وزمرّد، وهما أفضل من الأوليين ».
وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول »، وقال :«ومعنى ومن دونهما جنتان أي : دون هذا إلى العرش، أي : أقرب وأدنى إلى العرش ».
وقال مقاتل : الجنَّتان الأوليان : جنة عدن وجنة النعيم، والأخريان : جنة الفردوس، وجنة المأوى.
قوله تعالى : مُدْهَامَّتَانِ أي : خضراوان. قاله ابن عبَّاس وغيره.
وقال مجاهد : مسودتان.
والإدْهَام في اللغة : السواد وشدة الخضرة، جُعلتا مدهامتان لشدة ريِّهما، وهذا مشاهد بالنظر، ولذلك قالوا : سواد «العراق » لكثرة شجره وزرعه٩.
ويقال : فرس أدهم وبعير أدهم، وناقة دهماء، أي اشتدت زرقته حتى ذهب البياض الذي فيه، فإن زاد على ذلك واشتد السواد فهو جَوْن، وادهمَّ الفرس ادهماماً أي صار أدهم.
وادْهَامَّ الشيء ادهيماماً : أي : اسوداداً، والأرض إذا اخضرت غاية الخضرة تضرب إلى السواد، ويقال للأرض المعمورة : سواد يقال : سواد البلد.
وقال عليه الصلاة والسلام :«عَليْكُمْ بالسَّوادِ الأعظَمِ، ومن كَثَّرَ سوادَ قَوْمٍ فهُو مِنْهُمْ »١٠.
قال ابن الخطيب : والتحقيق فيه أن ابتداء الألوان هو البياض وانتهاؤها هو السَّواد، فإنَّ الأبيض يقبل كل لون، والأسود لا يقبل شيئاً من الألوان.
قوله تعالى : فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ .
قال ابن عباس : فوَّارتان بالماء والنَّضْخُ - بالخاء المعجمة - أكثر من النَّضْحِ - بالحاء المهملة - لأن النَّضْح بالمهملة : الرَّشُّ والرشحُ، وبالمعجمة : فورانُ الماء.
وقال ابن عباس والحسن ومجاهد : المعنى نضَّاختان بالخير والبركة١١.
وعن ابن مسعود وابن عباس أيضاً وأنس : تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كما ينضخ رشّ المطر١٢.
وقال سعيد بن جبير : بأنواع الفواكه والماء١٣.
قوله تعالى : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ .
قال بعض العلماء : ليس الرمان والنخل من الفاكهة ؛ لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره ؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وهذا ظاهر الكلام، فلو حلف لا يأكل فاكهة لم يحنث بأكلهما.
وقال الجمهور : هما من الفاكهة، وإنما أعاد ذكر النَّخل والرمان لفضلهما على الفاكهة، فهو من باب ذكر الخاص بعد العام تفضيلاً له كقوله تعالى : مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [ البقرة : ٩٨ ].
وقوله تعالى : حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى [ البقرة : ٢٣٨ ].
قال شهاب الدين١٤ : وهذا يجوز ؛ لأن «فاكهة » عامًّا ؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات، وإنما هو مطلق، ولكن لما كان صادقاً على النخل والرمان قيل فيه ذلك.
وقال القرطبي١٥ : إنما كررهما ؛ لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البُرِّ عندنا ؛ لأن النخل عامةُ قوتهم، والرُّمان كالتمرات، فكان يكثر غرسها عندهم لحاجتهم إليه، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثِّمار التي يعجبون بها، فإنما ذكر الفاكهة، ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما، وكثرتهما عندهم في «المدينة » إلى «مكّة » إلى ما والاها من أرض «اليمن »، فأخرجهما في الذكر من الفواكه، وأفرد الفواكه على حدتها.
وقيل : أفردا بالذكر ؛ لأن النخل ثمرة : فاكهة وطعام.
والرُّمان : فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكّه.
ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله : من حلف ألا يأكل فاكهة فأكل رماناً، أو رطباً لم يحنث١٦.

فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها


قال ابن الخطيب١٧ : قوله : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ كقوله تعالى : فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ؛ لأن الفاكهة أرضية وشجرية، والأرضية كالبطِّيخ وغيره من الأرضيات المزروعة، والشجرية كالنَّخْل والرمان وغيرهما من الشجريات، فقال : مُدْهَامَّتَانِ بأنواع الخضر التي منها الفواكه الأرضية والفواكه الشجرية، وذكر منها نوعين١٨ وهما الرمان والرطب ؛ لأنهما متقابلان.
أحدهما : حلو، والآخر : حامض.
وأحدهما : حار، والآخر : بارد.
وأحدهما : فاكهة وغذاء، والآخر : فاكهة ودواء.
وأحدهما : من فواكه البلاد الباردة، والآخر : من فواكه البلاد الحارة.
وأحدهما : أشجار في غاية الطول والكبر، والآخر : أشجاره بالضّد.
وأحدهما : ما يؤكل منه بارز، وما لا يؤكل كامن، فهما كالضدين، والإشارة إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى ما بينهما كقوله تعالى : رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين [ الرحمان : ١٧ ].

فصل في الكلام على نخل ورمان الجنة


قال ابن عباس : الرمانة في الجنة ملء جلد البعير المُقَتَّب١٩.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : نخل الجَنة : جذوعها زمرد أخضر، وكرمُها ذهب أحمر، وسعفُها كسوة لأهل الجنة، فيها ( مقطعاتهم )٢٠ وحللهم، وثمرها أمثال القلال والدِّلاء، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزُّبد، ليس له عجم٢١.
وفي رواية : كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وإن ماءها ليجري في غير أخدود، والعنقود : اثنا عشر ذراعاً.
١ ينظر: الكشاف ٤/٤٥٤، والبحر المحيط ٨/١٩٦، ١٩٧، والدر المصون ٦/٢٤٨..
٢ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١١٩، ١٢٠..
٣ التفسير الكبير ٢٩/١١٧..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦١٠)..
٥ ينظر المصدر السابق..
٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٧٦)..
٧ أخرجه البخاري (١٣/٤٣٣) كتاب التوحيد، باب: وجوه يومئذ ناضرة (٧٤٤٤) ومسلم (١/١٦٣) كتاب الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم حديث (٢٦٦/ ١٨٠) من حديث أبي موسى..
٨ ينظر: معالم التنزيل ٤/٢٧٦..
٩ ينظر: القرطبي ١٧/١٢٠..
١٠ لأوله شاهد من حديث ابن عمر بلفظ: عليكم بالسواد الأعظم أخرجه الحاكم (١/١١٥ - ١١٦).
وابن أبي عاصم في "السنة" (١/٣٩)، ولآخره شاهد عن عبد الله بن مسعود عند أبي يعلى كما في المطالب برقم (١٦٠٥)..

١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦١٣)..
١٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٠٩) عن أنس وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦١٢) عن سعيد بن جبير وذكره السيوطي في"الدر المنثور" (٦/٢٠٩) وزاد نسبته إلى ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي نعيم في "الحلية"..
١٤ ينظر: الدر المصون ٦/٢٤٩..
١٥ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٢١..
١٦ ينظر الهداية ٢/٨٠..
١٧ التفسير الكبير ٢٩/١١٧..
١٨ في ب: أمرين..
١٩ روي مثله مرفوعا من حديث أبي سعيد الخدري. ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٢٠) وعزاه إلى ابن أبي حاتم..
٢٠ في ب: مقطاعتهم..
٢١ أخرجه الحاكم (٢/٤٧٦) عن ابن عباس وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٠٩) وزاد نسبته إلى ابن المبارك وابن أبي شيبة وهناد بن السري وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" والبيهقي في "البعث والنشور"..


اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية