ﯳﯴﯵ

فيهما عينان نَضَّاختان فوّارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، فبأي آلاء ربكما تكذبان .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو : جنة مُعجَّلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضاً في حق المقربين. وقوله : مُدْهامتان شديدة خضرتها ؛ لانَّ النظر إلى الخضرة أمْيَلُ، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمُقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلاّ النيران ؛ لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى : وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ البقرة : ٢٨٢ ]، وكثرة العلوم٢ كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن ؛ إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " عليّ العمراني " رضي الله عنه قال : علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأمّا المباشِر للحرب فهو في شغل شاغل عنه.
فيها فاكهة، أي : تفنُّن في تحقيق المسائل، ونخل ؛ تضلُّع من علم الحديث، ورُمان ؛ تغلغل في التفسير، أو : فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوُّف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي : تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو : في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ؛ لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل : وإذا كانت العلوم مِنحاً إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. هـ. متكئين على رَفرفٍ، أي : بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث :" ساعة من العالِم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " ٣ أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجَودة ؛ لكماله في محله. تبارك اسم ربك أي : تعاظم قدره ذي الجلال والإكرام حيث مَنَّ بهذه النعم الجِسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، وصلّى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلّم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير