فَرَوْحٌ أي : فلهم روح، أي : راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو : رحمة تخصهم، أو : نسيم يهب عليهم. وفي القاموس : الرَّوح - بالفتح : الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم١، أي : الحياة والبقاء، أو : فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها وريحانٌ أي : رزق، بلغة حِمْير، والمراد : رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو : أشباحهم، فإنّ أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها، كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو : جنة، أو : هو الريحان الذي يُشمّ. قال أبو العالية :" لا يُفارق أحدٌ من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه "، وجنةُ نعيم تتنعّم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أنّ الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصدِّيقين.
وفي الإحياء ما حاصله : أنَّ المقرَّب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرَّب واصل، والمعرِض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله ؛ لأنه أدرك ذلك كله مشاهدةً. وفي القوت بعد كلام : وأيضاً للمقربين من كل هولٍ رَوح به لشهادتهم القريب، وفي كل كربٍ ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. هـ.
قال النسفي : رُوي أنَّ عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال : ما تشتكي ؟ فقال : ذنوبي، فقال : ما تشتهي ؟ فقال : رحمة ربي - وفي رواية : ما يقضي ربي - فقال : أفلا تدعو الطبيب ؟ فقال : الطبيب أمرضني، فقال : ألا نأمر لك بعطاء ؟ فقال : لا حاجة لي فيه، قال : ندفعه إلى بناتك، قال : لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهنّ بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" مَن قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تُصبه فاقة أبداً " ١. وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " ( اقتربت، والرحمان، والواقعة ). هـ. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلّم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي