يأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا ناجيتم الرسول فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نجواكم صَدَقَةً المناجاة المساررة، والمعنى : إذا أردتم مساررة الرسول في أمر من أموركم فقدّموا بين يدي مساررتكم له صدقة. قال الحسن : نزلت بسبب أن قوماً من المسلمين كانوا يستخلون النبيّ صلى الله عليه وسلم يناجونه، فظنّ بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى، فشقّ عليهم ذلك، فأمرهم الله بالصدقة عند النجوى لتقطعهم عن استخلائه. وقال زيد بن أسلم : نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبيّ صلى الله عليه وسلم ويقولون : إنه أذن يسمع كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحداً من مناجاته وكان ذلك يشقّ على المسلمين، لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ناجوه بأن جموعاً اجتمعت لقتاله، فأنزل الله : يأيها الذين آمنوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول فلم ينتهوا، فأنزل الله هذه الآية فانتهى أهل الباطل عن النجوى لأنهم لم يقدّموا بين يدي نجواهم صدقة، وشقّ ذلك على أهل الإيمان وامتنعوا عن النجوى لضعف كثير منهم عن الصدقة فخفف الله عنهم بالآية التي بعد هذه، والإشارة بقوله : ذلك إلى ما تقدّم من تقديم الصدقة بين يدي النجوى، وهو مبتدأ وخبره : خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ لما فيه من طاعة الله، وتقييد الأمر بكون امتثاله خيراً لهم من عدم الامتثال وأطهر لنفوسهم يدل على أنه أمر ندب لا أمر وجوب فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ يعني : من كان منهم لا يجد تلك الصدقة المأمور بها بين يدي النجوى، فلا حرج عليه في النجوى بدون صدقة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : ذلك في مجلس القتال وَإِذَا قِيلَ انْشُزُواْ قال : إلى الخير والصلاة. وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه، والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله : يَرْفَعِ الله الذين ءامَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم درجات قال : يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤمنوا درجات. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في تفسير هذه الآية قال : يرفع الله الذين آمنوا منكم وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات. وأخرج ابن المنذر عنه قال : ما خصّ الله العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية، فضَّل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : إِذَا ناجيتم الرسول الآية، قال : إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيِّه، فلما قال ذلك ظنّ كثير من الناس وكفوا عن المسألة، فأنزل الله بعد هذا : ءأَشْفَقْتُمْ الآية، فوسع الله عليهم ولم يضيق. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والنحاس وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب قال :«لما نزلت : يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ناجيتم الرسول فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نجواكم صَدَقَةً قال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم :«ما ترى دينار ؟ قلت : لا يطيقونه. قال : فنصف دينار ؟ قلت لا يطيقونه، قال فكم ؟ قلت : شعيرة، قال : إنك لزهيد، قال : فنزلت ءأشفقتم أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نجواكم صدقات الآية، فبي خفف الله عن هذه الآمة»، والمراد بالشعيرة هنا : وزن شعيرة من ذهب، وليس المراد : واحدة من حبّ الشعير. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه قال : ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت، وما كانت إلاّ ساعة يعني : آية النجوى. وأخرج سعيد بن منصور وابن راهويه وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه أيضاً قال : إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ناجيتم الرسول فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نجواكم صَدَقَةً كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكنت كلما ناجيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّمت بين يدي نجواي درهماً، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد، فنزلت : ءأشفقتم أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نجواكم صدقات الآية. وأخرج الطبراني وابن مردويه. قال السيوطي : بسندٍ ضعيف عن سعد بن أبي وقاص قال :«نزلت يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ناجيتم الرسول فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نجواكم صَدَقَةً فقدمت شعيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لزهيد، فنزلت الآية الأخرى : ءأشفقتم أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نجواكم صدقات ».
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني