ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

تمهيد :
كان بعض الناس يكثرون السؤال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من غير حاجة شديدة لذلك، والرسول بشر له حاجات خاصة، ويحتاج إلى وقت لمناجاة ربه، ووقت لتبليغ الرسالة، ووقت لتنظيم أمور الدعوة، وكان بعض الأغنياء يقضي وقتا أطول في مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم : فأنزل الله تعالى آية تأمر بتقديم صدقة للفقراء بين يدي أسئلتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يستمر العمل بهذه الآية إلا وقتا قليلا، ثم أنزل الله تعالى الآية التالية لها، التي ترفع هذا التكليف، وتطلب عوضا عنه المحافظة على الصلاة، وإخراج الزكاة، وطاعة الله ورسوله.

سبب النزول :


١-
أخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال : إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه فأنزل : إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً... فلما نزلت صبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة، فأنزل الله بعد ذلك : ءأشفقتم.. . الآية.

٢-
وأخرج الترمذي وحسنه، وغيره عن علي قال : لما نزلت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً... قال لي النبي صلى الله عليه وسلم :" ما ترى، دينار " ؟ قلت : لا يطيقونه، قال :" فنصف دينار " ؟ قلت : لا يطيقونه، قال :" فكم " ؟ قلت : شعيرة، قال : إنك لزهيد، فنزلت : أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ... الآية، فبي خفف الله عن هذه الأمة. xxii.

٣-
وقال مقاتل بن حيان : نزلت الآية في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته، ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، من طول جلوسهم ومناجاتهم، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية، وأمر بالصدقة عند المناجاة، فأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئا، وأما أهل الميسرة فبخلوا، واشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الرخصة.
المفردات :
أأشفقتم : أخفتم، أو شق عليكم.
تاب الله عليكم : قبل توبتكم، أو رخص لكم في المناجاة من غير تقديم صدقة.
التفسير :
١٣- أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ .
أي : أبخلتم وخفتم الفقر خشية أن تقدموا عددا من الصدقات، كلما أردتم مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وفي هذا الاستفهام عتاب رفيق رقيق، وتوجيه للمسلمين إلى أهمية المحافظة على وقت الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان قيمة الوقت الذي يقضيه السائل في مناجاته وحده، وخلوته به وحده، والنبي صلى الله عليه وسلم على عاتقه شئون أمة بأسرها.
قيل : كان العمل بالآية السابقة عشرة أيام، وقيل : كان يوما واحدا.
لقد كان الحق سبحانه وتعالى يربي هذه الأمة ويهذبها، ويرشدها إلى الأمثل والأفضل، ويطهرها ويزكيها بآداب الوحي الإلهي، وما إن تحقق المراد حتى خفف الله عن الأمة وجوب تقديم الصدقة قبل المناجاة.
فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
فحين لم تقوموا بتقديم الصدقات قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد عذركم الله وقبل توبتكم، أو تاب عليكم بمعنى غفر لكم وخفف عنكم، فافعلوا ما فرض عليكم من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله في جميع ما تؤمرون به.
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
فهو محيط بنواياكم وأعمالكم، ومجازيكم بما قدمتم لأنفسكم من خير وشر.
قال تعالى في هذا المعنى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. ( الزلزلة : ٧-٨ ).
وقال سبحانه وتعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى*وأن سعيه سوف يرى*ثم يجزاه الجزاء الأوفى . ( النجم : ٣٩-٤١ ).
وجاء في التفسير المنير للأستاذ وهبة الزحيلي :
وليس في الآية إشارة إلى وقوع تقصير من الصحابة في تقديم الصدقة، فقد يكون عدم الفعل لأنهم لم يناجوا، ولا يدل أيضا قوله : وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ . على أنهم قصروا، لأن المعنى : أنه تاب عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفا، ومثل هذا يجوز أن يعبر عنه بالتوبةxxiii

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير