(وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) أي وإذا دعيتم إلى القيام عن مجلس رسول الله ﷺ فقوموا، لأن الرسول ﷺ كان يؤثر الانفراد أحيانا لتدبير شئون الدين، أو لأداء وظائف تخصه لا تؤدى أو لا يكمل أداؤها إلا بالانفراد.
وقد عمموا هذا الحكم فقالوا: إذا قال صاحب مجلس لمن فى مجلسه قوموا ينبغى أن يجاب.
ولا ينبغى لقادم أن يقيم أحدا ليجلس فى مجلسه
فقد أخرج مالك والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقم الرجل الرجل من مجلسه، ولكن تفسحوا وتوسعوا».
(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) أي يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين منهم خاصة درجات كثيرة فى الثواب ومراتب الرضوان.
والخلاصة- إنكم أيها المؤمنون إذا فسح أحدكم لأخيه إذا أقبل، أو إذا أمر بالخروج فخرج، فلا يظننّ أن ذلك نقص فى حقه، بل هو رفعة وزيادة قربى عند ربه، والله تعالى لا يضيع ذلك بل يجزى به فى الدنيا والآخرة، فإن من تواضع لأمر الله رفع الله قدره، ونشر ذكره.
(وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) أي والله بأعمالكم ذو خبرة لا يخفى عليه المطيع منكم من العاصي، وهو مجازيكم جميعا بأعمالكم، فالمحسن بإحسانه، والمسيء بالذي هو أهله أو يعفو.
[سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١٢ الى ١٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣)
شرح المفردات
ناجيتم الرسول: أي أردتم مناجاته والحديث معه، فقدموا بين يدى نجواكم صدقة: أي فتصدقوا قبلها، أطهر: أي أزكى، لتعويد النفس بذل المال وعدم الضنّ به، أشفقتم: أي خفتم، تاب الله عليكم: أي رخص لكم فى المناجاة من غير تقديم صدقة.
المعنى الجملي
علمت من الآية السالفة أن المؤمنين كانوا يتنافسون فى القرب من مجلس رسول الله ﷺ لسماع أحاديثه ولمناجاته فى أمور الدين، وأكثروا فى ذلك حتى شقّ عليه ﷺ وشغلوا أوقاته التي يحب أن تكون موزعة بين إبلاغ الرسالة والعبادة، والقيام ببعض وظائفه الخاصة، فإنه بشر يحتاج إلى قسط من الراحة، وإلى التحنث إلى ربه فى خلواته.
من أجل هذا نزلت هذه الآيات آمرة بوجوب تقديم الصدقات قبل مناجاة الرسول والحديث معه، لما فى ذلك من منافع ومزايا:
(١) إعظام الرسول وإعظام مناجاته، فإن الشيء إذا نيل مع المشقة استعظم، وإن نيل بسهولة لم يكن له منزلة ورفعة شأن.
(٢) نفع كثير من الفقراء بتلك الصدقات المقدمة قبل المناجاة.
(٣) تمييز المنافقين الذين يحبون المال ويريدون عرض الدنيا- من المؤمنين حقّ الإيمان الذين يريدون الآخرة وما عند الله من نعيم مقيم.
قال ابن عباس: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، وأراد الله أن يخفف عن نبيه فأنزل هذه الآيات فكف كثير من الناس عن المناجاة.
الإيضاح
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) أي أيها المؤمنون إذا أراد أحد منكم أن يناحى الرسول ويسارّه فيما بينه وبينه- فليقدم صدقة قبل هذا، لما فى ذلك من تعظيم أمر الرسول ﷺ ونفع الفقراء والتمييز بين المؤمن حقا والمنافق، ومحب الآخرة ومحب الدنيا، ومن دفع التكاثر عليه ﷺ من غير حاجة ملحّة إلى ذلك.
ثم ذكر العلة فى هذا فقال:
(ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) أي إن فى هذا التقديم خيرا لكم لما فيه من الثواب العظيم عند ربكم، ومن تزكية النفوس وتطهيرها من الجشع فى جمع المال وحب ادخاره، وتعويدها بذله فى المصالح العامة كإغاثة ملهوف، ودفع خصاصة فقير، وإعانة ذى حاجة، والنفقة فى كل ما يرقّى شأن الأمة ويرفع من قدرها، ويعلى كلمتها، ويؤيد الدين وينشر دعوته.
ثم أقام العذر للفقراء فقال:
(فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي فإن لم تجدوا الصدقة أيها الفقراء وعجزتم عن ذلك فالله قد رخص لكم فى المناجاة بلا تقديم لها، لأنه ما أمر بها إلا من قدر عليها.
وقد شرع هذا الحكم لتمييز المخلص من المنافق، فلما تم هذا الغرض انتهى ذلك الحكم ورخص فى المناجاة بدون تقديم صدقة، فقال:
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي