الذين يظاهرون قرأ عاصم في الموضعين بضم الياء وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر الهاء من المفاعلة وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الياء وتشديد الظلم وألف بعدها من الأفاعل أصله يتظاهرون أدغم التاء في الظاء والباقون من غير الألف من الأفعل أصله تفعل والظهار أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي كان ذلك طلاقا في الجاهلية مثبتا للحرمة المأبدة فنقله الشرع إلى الحرمة المنتهية بالكفارة مشتق من الظهر وألحق به الفقهاء تشبيها بجزء منها لا يحل له النظر إليه كان يقول أنت علي كظهر أمي أو فخذها أو كفرجها وعند الشافعي لو شبهها بجزء لا يحرم نظره إليه كاليد والعين يكون الظهار أيضا كذا لو شبهها بالجدة أو العمة أو الخالة أو البنت أو بامرأة أخرى محرمة عليه بالتأبيد وشرط الشافعي أن يكون تحريمها غير طارئة فلاظهار عند الشافعي لو قال أنت علي كظهر مرضعتي وزوجة أبي وعند أبي حنيفة يكون ظهارا لأنها في الحرمة المؤبدة كالأم وكذا لو شبه من امرأته جزءا شائعا أو جزأ يعبر به عن الكل كأن قال رأسك علي كظهر أمي أو فرجك أو وجهك أو رقبتك أو بدنك أو جسمك أو روحك أو نفسك أو نصفك أو ثلثك لأنها إما يعبر بها عن جميع البدن أو يثبت الحكم في الشائع فيتعدى إلى الكل، وإن قال يدك أو رجلك علي كظهر أمي لا يكون ظهارا خلافا للشافعي في أظهر أقواله وإن قال أنت علي كأمي أو مثل أمي يرجع إلى نيته لينكشف حكمه فإن قال نويت الكرامة صدق لأن التكريم بالتشبيه فاش في الكلام وإن قال أردت الظهار يكون ظهارا لأنه تشبيه بجميعها وفيه تشبيه بالعضو لكنه ليس بصريح فيفتقر إلى النية، وإن قال أردت الطلاق كان طلاقا بائنا لأنه تشبيه بالأمر في الحرمة فكأنه قال أنت علي حرام ونوى به الطلاق وإن لم ينو أصلا ليس بشيء لاحتمال الكرامة وقال محمد ظهار والله تعالى أعلم.
مسألة
لو قال أنت علي كظهر أمي إلى شهر مثلا لا يكون ظهارا عند الشافعي في رواية بل لغوا وفي رواية عنه يكون ظهارا وبه قال أبو حنيفة وأحمد يلزم الكفارة على هذا القول بالعزم على الوطء في المدة وإن لم يعزم حتى مضت المدة فلا كفارة عليه غير أنه عند أحمد ولو وطئ المظاهر منها في المدة قبل الكفارة يأثم ويستقر عليه الكفارة وعند أبي حنيفة يأ ثم ولا تستقر عليه الكفارة بل ولو عزم الوطئ ثانيا في المدة كفر ولو مضت المدة حلت عليه بلا كفارة ولو أبانها في المدة لا كفارة عليه وعند مالك وهو رواية عن الشافعي أنه ظهار مؤبد.
وفي الباب حديث سليمان ابن يسار عن سلمة ابن صخر قال كنت امرءا قد لأوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري فلما دخل رمضان تظهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقا من أن أصيب وفي ليلتي شيئا فأتابع في ذلك حتى يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع فبينما هي تخدمني إذ تكشف منها شيء فوثبت عليها فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري وقلت انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بأمر فقالوا لا والله لا تفعل نتخوف أن ينزل فينا القرآن أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك فخرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبري.
فقال لي أنت بذاك فقلت أنا بذاك قال أنت بذاك نعم فقال لي أنت بذاك فقلت أنا بذاك فأمضي في حكم الله عز وجل فإني صابر له، قال اعتق رقبة قال فضربت صفحة رقبتي بيدي فقلت لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها قال، فصم شهرين قلت يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام ؟ قال فتصدق، فقلت والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشيا ما لنا عشاء قال اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقا من تمر ستين مسكينا ثم استعن سائرها عليك وعلى عيالك قال فرجعت إلى قومي فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة قد أمرني بصدقتكم إلي فادفعوها إلي١رواه أحمد والحاكم وأصحاب السنن إلا النسائي، وأعله عبد الحق بالانقطاع وابن سليمان لم يدرك سلمة حكى ذلك الترمذي عن البخاري ورواه الحاكم والبيهقي من طريق محمد ابن عبد الرحمان ابن ثوبان وأبي سلمة ابن عبد الرحمان بلفظ إن سلمة ابن صخر جعل امرأته على نفسه كظهر أمي إن غشيها حتى يمضي رمضان فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أعتق رقبة الحديث. احتج ابن الجوزي بهذا الحديث على كون الظهار المؤقت مؤقتا وعلى أنه إذا وطئ المظاهر قبل التكفير أثم واستقرت الكفارة في ذمته، وليس في الحديث حجة على كونها الظهار المؤقت لكنه حجة على أنه لا يلغو سواء كان في الشرع مؤقتا أو مؤيدا، ثم احتجاج ابن الجوزي لا يخلو عن المصادرة على المطلوب فإنه لو قلنا أن الظهار المؤقت لا يكون مؤقتا بل يكون مؤبدا، فلا يكون الحديث حجة على استقرار الكفار بالوطئ قبل الكفارة لجواز أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالكفارة لتحصيل الحل بعد رمضان ولفظنا أن الكفارة لا تستقر في الذمة بالوطئ قبل التكفير بل التكفير إنما هي لرفع الحرمة الثابتة بالظهار والوطئ قبل التكفير موجب لإثم فقط والحرمة باقية بعد ذلك ولا يحتاج إلى التكفير إلا من عزم على الوطئ وأراد الاستباحة بعد ذلك وأما من طلقها بعد الوطئ فلا حاجة إلى الكفارة كما هو مذهب أبي حنيفة، فالحديث حجة على كون الظهار المؤقت مؤبدا لأنه صلى الله عليه وسلم أمره بصيام شهرين وأن صيام شهرين لا يتصور منه إلا بعد انقضاء رمضان الذي ظاهر في مؤقت إلى انسلاخه فلو كانت حرمة الظهار منتهية بانتهاء رمضان لا يحتاج إلى الكفارة بعد ذلك فلا يصح قول أبي حنيفة في الظهار المؤقت أن يكون مؤقتا والله تعالى أعلم.
مسألة
الظهار المعلق بشرط يصح احتج الرافعي بحديث سلمة ابن صخر المذكور على صحة تعليق الظهار وتعقبه ابن الرافعة بأن الذي في السنن لا حجة فيه على جواز التعليق وإنما هو ظهار مؤقت لا تعليق فيه لكن اللفظ المذكور عند البيهقي يشهد بما قال الرافعي.
مسألة
لو علق الظهار بشرط ثم أبانها ثم وجد الشرط في العدة لا يصبر كذا قال ابن همام.
مسألة
يصح الظهار بشرط النكاح عند أبي حنيفة فإذا قال لأجنبية إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي فتزوجها ولزم كفارة الظهار ولو قال أنت علي كظهر أمي في رجب ورمضان وطفر في رجب أجزاه عنها.
مسألة
لو ظاهر فجن ثم أفاق فهو على حكم الظهار ولا يكون عائدا بالإفاقة ما لم يعزم على الوطئ خلافا لأحد الوجهين للشافعي والله تعالى أعلم.
مسألة
من قال لنسائه أنتن علي كظهر أمي كان مظاهرا منهن جميعا إجماعا وهل يتعدد الكفارة فعند أبي حنيفة والشافعي يتعدد بتعددهن وبه قال الحسن والطبراني والثوري وغيرهم وقال مالك وأحمد كفارة واحدة، روي ذلك عن عمر رواه البيهقي من رواية سعيد ابن المسيب عنه ومن رواية مجاهد عن ابن عباس عنه، وكذا روي عن علي وعروة وطاووس اعتبروه باليمين بالله في الإيلاء، قلنا الكفارة لرفع الحرمة الثابتة بالظهار وهي متعددة بتعددهن وكفارة اليمين لهتك حرمة اسم الله تعالى وهي واحدة.
مسألة
لو كرر الظهار من امرأة واحدة في مجلس واحد أو مجالس متعددة يتكرر الكفارة عند أبي حنيفة وغيره لأن الظهار يثبت الحرمة والنكاح باق فيصح الظهار الثاني والثالث ولا منافاة في اجتماع أسباب الحرمة كالخمر يحرم على الصائم بعينها وللصوم واليمين إلا أنه إذا نوى بما بعد الأول تأكيدا فيصدق قضاء وديانة بخلاف الطلاق فإنه لو نوى تأكيدا لا يصدق قضاء، لأن حكم الظهار بينه وبين الله تعالى وأوردت عليه أنه لما ثبت بالظهار الأول الحرمة فلا يثبت بالثاني وإلا يلزم تحصيل الحاصل، والأسباب إذا كانت من جنس واحد لا يستدعي تعدد الحرمة فلا بد أن ترتفع حرمة الظهارات المتعددة بكفارة واحدة كما أن الحدث الثابت بأسباب متعددة ترفع بوضوء واحد والله تعالى أعلم منكم حال من فاعل تظاهرون وفيه تهجين لعادة العرب فإنه كان من أيمان أهل الجاهلية قبل التقييد بقوله منكم يفيد أنه لا يصح الظهار من الذمي وبه قال أبو حنيفة ومالك خلافا للشافعي واحد وهي رواية البرامكة عن أبي حنيفة لأن الكافر ليس منا وإلحاقه بالقياس متعذر لأن الظهار جناية حكمها تحريم يرتفع بالكفارة وشرك الكافر يمنع من رفع أثر الجناية عنه بالكفارة ولأنه ليس أهلا للكفارة لأنها عبادة حتى اشترطت النية فلا يصح من الكافر فيبقى تحريما مؤبدا وهو غير حكمه بالنص ولقائل أن يقول إن هذه الآية غير موجبة للتحريم ولا للكفارة بل تقتضي إثم المظاهرة وارتكابه منكرا من القول وزورا، وإنما يوجب التحريم والكفارة الآية التالية أعني قوله تعالى : والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا وليس فيه التقييد بقوله منكم ويلزم منه صحة ظهار الذمي فالأولى أن يقال أن الحرمة بالظهار لا يمكن إثباتها إلا حقا للشرع وهم غير مخاطبين بحقوق الشرع فلا يصح ظهاره كما يجوز نكاحه بلا شهود أو في عدة كافر وإذا لم يثبت الحرمة وقت الظهار لكفره فإن أسلم ذلك لا يثبت الحرمة بفقد سببه والله تعالى أعلم منكم من نسائهم والتقييد بالنساء المضافة إلى المظاهرين يفيد إنه لاظهار إلا بالمنكوحة دون الأمة المملوكة موطوءة كانت أو غيرها وهو مذهبنا ومذهب الشافعي وأحمد وجمع كثير من الصحابة والتابعين خلافا لمالك والثوري في الأمة مطلقا وسعيد ابن جبير وعكرمة وطاووس وقتادة والزهري في الأمة الموطوءة لنا إن إطلاق نسائهم على الإماء وإن صح لغة لكن صحة الإطلاق لا يستلزم الحقيقة بل إضافة النساء إلى رجل أو رجال حقيقة إنما يتحقق في الزوجات لأنه المتبادر ولأنه يصح أن يقال لهؤلاء جواريه لا نساءه ولأنه قال الله تعالى : يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ٢ والمراد بنساء المؤمنين الزوجات دون الإماء فإن أدلاء الجلباب على الإماء غير واجب كيف وقد قال عمر رضي الله عنه إلغي عنك الخمار يا دفار أتشبهين بالحراير، ولأن الظهار كان في الجاهلية طلاقا فنقل عنه إلى تحريم منته بالكفارة ولا طلاق في الأمة ما هن أمهاتهم على الحقيقة حق يحرمن عليكم كما تحرم الأمهات إن أمهاتهم إلا اللائي قرأ قالون وقنبل هاهنا وفي الأحزاب والطلاق اللاء بالهمزة من غير ياء وورش اللائي بياء مختلفة الكسر خلفا عن الهمزة وإذا وقف صيرها ياء ساكنة والبزي وأبو عمرو بياء ساكنة بدلا من الهمزة في الحالين والباقون بالهمزة وياء بعدها في الحالين وحمزة إذا وقف ساكنة والبذي ساكنة بدلا من الهمزة في الحالين والباقون جعل الهمزة بين على أصله، ولدناهم تعليل لقوله ما هن أمهاتهم، وإنهم ليقولون منكرا من القول فإن الشرع أنكره وزورا كذبا فإن قيل الزور الكذب إنما يطلق على الخبر والظهار إنشاء للتحريم لا يحتمل الصدق والكذب ؟ قلنا الظهار وإن كان إنشاء لكنه في الأصل إخبار لزعمه حرمة مؤبدة أطلق على قوله بالزور والله تعالى أعلم وإن الله لعفو غفور لما سلف منه مطلقا وإذا أنيب عليه
٢ ورة الأحزاب الآية ٥٩.
التفسير المظهري
المظهري