المعنى الجملي : روي أن هذه الآيات الأربع نزلت في خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت ومن حديث ذلك : أن أوسا كان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، فدخل على خولة يوما فراجعته بشيء فغضب، فقال لها : أنت عليّ كظهر أمس ( وكان الرجل في الجاهلية إذا قال ذلك لامرأته حرمت عليه ) وكان هذا أول ظهار في الإسلام، فندم لساعته، فدعاها ( طلب ملامستها ) فأبت، وقالت : والذي نفسي بيده لا تصل إليّ وقد قلتَ ما قلتَ حتى يحكم الله ورسوله، فأتت الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما خلا سني ونثرت بطني ( كثر ولدي ) جعلني عليه كأمه إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة تنعشني بها وإياه فحدثني بها، فقال عليه الصلاة والسلام :( والله ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن )، وفي رواية :" ما أراك إلا قد حرمت "، قالت : ما ذكر طلاقا، وجادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارا ثم قالت : اللهم إني أشكو إليك شدة وحدتي، وما يشق عليّ من فراقه، وفي رواية أنها قالت : أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول : اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك، وما برحت حتى نزل القرآن فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا خولة أبشري )، قالت : خيرا، فقرأ عليها : قد سمع الله الآيات.
روى البخاري في تاريخه أنها استوقفت عمر يوما فوقف، فأغلظت له القول، فقال رجل يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم، فقال رضي الله عنه، وما يمنعني أن أستمع إليها وهي التي استمع الله لها، فأنزل فيها ما أنزل قد سمع الله الآيات.
والشارع اعتبر الظاهر يمنيا وأوجب فيها الكفارة عند إرادة الملامسة بأحد أمور ثلاثة على الترتيب الآتي :
( ١ ) تحرير رقبة ( عتق عبد أو جارية ).
( ٢ ) صيام شهرين متواليين إن لم يجد ما يعتقه.
( ٣ ) إطعام ستين مسكينا إن لم يستطع الصوم لكبر أو مرض لا يرجى زواله، لكل مسكين نصف صاع من بر ( رطل وثلث ) أو صاع من تمر أو شعير.
والظهار : لغة من ظاهر ؛ ويراد به معان مختلفة باختلاف الأغراض فيقال ظاهر فلان فلانا : أي نصره، وظاهر بين ثوبين : أي لبس أحدهما فوق الآخر، وظاهر من امرأته : أي قال لها أنت عليّ كظهر أمي، أي محرمة، وقد كان هذا أشدّ طلاق في الجاهلية، والظهار شرعا : تشبيه المرأة أو عضو منها بامرأة محرمة نسبا أو رضاعا أو مصاهرة بقصد التحريم لا بقصد الكرامة، ولهذا المعنى نزلت الآية : إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم أي ما أمهاتهم، والمنكر : ما ينكره الشرع والعقل والطبع، وزورا : أي كذبا.
وقد فصل ما أنزل من الحكم في حادثتها وأمثالها فقال :
الذين يظاهرون منكم من نسائهم أي الذين يقع منهم الظهار من نسائهم، فيقول أحدهم لامرأته : أنت عليّ كظهر أمي، يريد أنك عليّ حرام، كما أن أمي عليّ حرام – مخطئون فيما صنعوا.
ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم أي ما نساؤهم أمهاتهم على الحقيقة فكيف يجعلونهن كذلك، ما أمهاتهم إلا من ولدنهم، فلا ينبغي تشبيههن بهن.
ثم زاد الأمر إيضاحا وبالغ في الاستهجان فقال :
وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا أي وإنهم ليقولون قولا منكرا لا يجيزه شرع، ولا يرضى به عقل، ولا يوافق عليه ذو طبع سليم، فكيف تشبّه من يسكن إليها وتسكن إليه وجعل بينه وبينها مودة ورحمة، وصلة خاصة لا تكون لأم ولا لأخت، بمن جعل صلتها بابنها صلة الكرامة والحنو والإجلال والتعظيم، إلى أن الرجل قوّام على المرأة له حق تأديبها إذا اعوجت، وهجرانها في المضاجع إذا جمحت ولم يعط ذلك لابن ليعامل به أمه، فهذا زور وبهتان عظيم.
وغير خاف ما في هذا من الاستهجان، وشديد التشنيع على صدور هذا القول منهم.
وإن الله لعفو غفور لما سلف من الذنب متى تاب فاعله منه.
ثم فصل حكم الظهار فقال :
تفسير المراغي
المراغي