ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

المعنى الجملي : علمت مما سلف أن اليهود نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهروا المشركين اتكالا على مساعدة المنافقين لهم ومناعة حصونهم، فتهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقتالهم، فلما علموا بقدومه حصنوا الأزقة فحاصرهم عليه الصلاة والسلام عدة أيام وألقى الله الرعب في قلوبهم، فطلبوا الصلح فأبى إلا الجلاء وأخرجهم من حصونهم بعد تخريبها بأيديهم وأيدي المؤمنين، ولولا جلاؤهم لعذبهم في الدنيا بالقتل والأسر، ولهم في الآخرة عذاب شديد، وما كان ذلك إلا بإذن الله وتقديره للأمور وفق الحكمة والمصلحة.
شرح المفردات : الذين كفروا : هم بنو النضير ( بزنة أمير ) قبيلة عظيمة من اليهود كبني قريظة، والحشر، إخراج جمع من مكان إلى آخر، ولأول الحشر : أي في أول حشرهم، أي جمعهم وإخراجهم من جزيرة العرب ونفيهم إلى بلاد الشام وآخر حشر : إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام، والحصون : واحدها حصن وهو القصر الشاهق والقلعة المشيدة، مانعتهم حصونهم من الله : أي مانعتهم من بأسه وعقابه، فأتاهم الله : أي جاءهم عذابه، من حيث لم يحتسبوا : أي من حيث لم يخطر لهم ببال، وقذف الشيء : رميه بقوة، والمراد هنا إثباته وركزه في قلوبهم، والرعب : الخوف الذي يملأ الصدر يخربون : أي يهدمون، فاعتبروا : أي فاتعظوا، والاعتبار : النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها، ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها، وأجليت القوم عن منازلهم : أي أخرجتهم منها، وجلوا : خرجوا، وقد فرقوا بين الإجلاء والإخراج من وجهين : أن الأول لا يكون لجماعة، والثاني : يكون لواحد ولجماعة، وأن الأول ما كان مع الأهل والولد والثاني يكون مع بقائهما.
ثم بين بعض آثار عزته، وأحكام حكمته فقال :
هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر أي هو الذي أجلى بني النضير من المدينة بقوة عزته، وعظيم سلطانه، وكان هذا أول مرة حشروا فيها وأخرجوا من جزيرة العرب لم يصبهم الذل قبلها، لأنهم كانوا أهل عزة ومنع، وآخر حشر لهم إجلاء عمر رضي الله عنه لهم من خيبر إلى الشام.
ثم بين فضل الله على المؤمنين، ونعمته عليهم في إخراج عدوهم من ديارهم ولم يكن ذلك منتظرا فقال :
ما ظننتم أن يخرجوا أي ما خطر لكم ذلك أيها المؤمنون ببال، لشدة بأسهم ومنعتهم، وقوة حصونهم، وكثرة عَددهم وعُددهم.
وفي ذكر هذا تعظيم للنعمة، فإن النعمة إذا جاءت من حيث لا ترتقب كانت مكانتها في النفوس أعظم، وكانت بها أشد سرورا وابتهاجا.
والمسلمون ما ظنوا أن يبلغ الأمر بهم إلى إخراج اليهود من ديارهم، ويتخلصوا من مكايدهم وأشراكهم التي ما فتئوا ينصبونها للمؤمنين، وبذا قضى الله عليهم قضاءه الذي لا مرّد له، وصدق الله لأغلبن أنا ورسلي [ المجادلة : ٢١ ].
ثم ذكر ما جرّأهم على مشاكسة النبي صلى الله عليه وسلم وتأليب المشركين عليه فقال : وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله أي وظن بنو النضير أن حصونهم المنيعة القوية تمنعهم من أن ينالهم عدو بسوء، فلا يستطيع جيش مهما أوتي من بأس أن يصل إليهم بأذى، فاطمأنوا إلى تلك القوة، وأوقدوا نار الفتنة بين الرسول صلى الله عليه وسلم والمشركين، طمعا في القضاء عليه، بعد أن أصبحت له الزعامة الدينية والسياسية في المدينة، وسيكون في ذلك القضاء عليهم لو صبروا، وقد غبروا دهرا وهم أصحاب السلطان فيها، لأنهم من وجه أهل الكتاب، ومن وجه آخر هم أرباب النفوذ المالي فيها، وأصحاب الثروة والجاه العريض.
ثم أكد ما سلف وقرره بقوله : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا أي فجاءهم بأس الله وقدرته الذي لا تدفع من حيث لم يخطر ذلك لهم ببال، وصدق فيهم ما قيل : قد يؤتى الحَذر من مأمنه. فأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، فذهبت طائفة منهم إلى أذرعات من أعالي الشام، وطائفة إلى خيبر على أن يأخذوا معهم ما حملت إبلهم.
ثم بين أسباب هذا الاستسلام السريع، والنزول على حكم الرسول على مناعة الحصون وكثرة العدد والعدد فقال : وقذف في قلوبهم الرعب أي بثّ في قلوبهم الهلع والخوف حين جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إليهم، فلم يستطيعوا إلى المقاومة سبيلا.
ومما كان له بالغ الأثر في هذا الخوف قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غيلة، وما رأوه من كذب وعد عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين في نصرتهم، وإرسال المدد إليهم، وتغريره بهم، وتوسيع مسافة الخلف بينهم وبين الرسول، فهم قد أوقدوا نارا كانوا هم حطب لهيبيها، وفتحوا ثغرة برؤوسهم قد سدوها، ووقعوا في حفرة هم الذين كانوا قد حفروها، فابتلعتهم لا إلى رجعة.
ثم بين مدى ما لحقهم من الهلع والجزع، وكيف حاروا في الدفاع عن أنفسهم فقال : يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين أي يخربون بيوتهم بأيديهم ليسدوا بما نقضوا منها من الخشب والحجارة أفواه الأزقة حتى لا يدخلها العدو، وحتى لا تبقى صالحة لسكنى المؤمنين بعد جلائهم، ولينقلوا بعض أدواتها التي تصلح للاستعمال في جهات أخرى كالخشب والعَمَد والأبواب، ويخربها المؤمنون من خارج ليدخلوها عليهم، ويزيلوا تحصنهم بها، وليتسع مجال القتال، ويكون في ذلك عظيم التنكيل والغيظ لهم.
ثم ذكر ما يجب أن يجعل العاقل نصب عينيه من عظة واعتبار فقال : فاعتبروا يا أولي الأبصار أي فاتعظوا يا ذوي البصائر السليمة، والعقول الراجحة، بما جرى لهؤلاء من أمور عظام، وبلاء ما كان يخطر لهم ببال، بأسباب تحار في فهمها العقول، ولا يصل إلى كنه حقيقتها ذوو الآراء الحصيفة، وابتعدوا عن الكفر والمعاصي التي أوقعتهم في هذه المهالك، فالسعيد من وُعِظ بغيره، وإياكم والغدر، والاعتماد على غير الله، فما اعتمد أحد على غيره إلا ذلّ.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير