( ١ ) من حيت لم يحتسبوا : من حيث لم يظنوا ويحسبوا حسابه.
الآية الأولى من المطالع التي تكررت في عدة سور مدنية كمقدمة تمهيدية لما بعدها وقد جاءت هنا كذلك. أما مطلع سورة الأعلى فليس من هذه المطالع ؛ لأنه أمر بالتسبيح.
وقد تضمنت الآيات تقرير ما يلي :
١ـ إن الله الذي يسبح له ما في السموات وما في الأرض القوي الجانب الحكيم التقدير هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من مواطنهم لأول الحشر، في حين لم يكن المؤمنون يظنون أن يتم ذلك، وكان المخرجون يظنون أن حصونهم مانعتهم من الله. ولكن بلاء الله أتاهم من حيث لم يخطر ببالهم ويحسبوا حسابه، وقذف في قلوبهم الرعب حتى إنهم خرجوا أو هدموا بيوتهم بأيديهم فضلا عن أيدي المؤمنين. وإن في ذلك لعبرة يعتبر بها أولو الأبصار والعقول.
٢ ـ لقد اقتضت حكمة الله أن يكتفي بإخراجهم وجلائهم، مع أنهم مستحقون لعذاب أشد في الدنيا، ولسوف يكون لهم في الآخرة عذاب النار. وذلك بسبب ما كان منهم من مشاقة لله ورسوله ومناوأة وعداء، ومن يفعل ذلك يتعرض لغضب الله الشديد العقاب.
تعليق على الآيات الأربع الأولى من السورة، وحادث إجلاء بني النضير :
والمفسرون وكتاب السيرة١ متفقون على أن هذه الآيات نزلت في صدد إجلاء يهود بني النضير الذي كانوا مقيمين في إحدى ضواحي المدينة. وعلى أن الحادث كان بعد وقعة أحد وقبل وقعتي الأحزاب وبني قريظة.
وأسلوب الآيات يدل على أنها جاءت للعظة والعبرة وتذكير المسلمين بما يسر الله لهم، بحيث لو لم يكن تيسيره لما تم لهم ما تم. ولم تأت للسرد القصصي وهو شأن سائر حوادث الجهاد في القرآن، ولما كانت الآيات التالية لها، وقد احتوت تشريع تخصيص الفيء جميعه لبيت مال المسلمين والفئات المحتاجة بأسلوب قوي حاسم، فمن السائغ أن يقال : إن هذه الآيات قد جاءت بأسلوبها الذي جاءت به لتبرير ذلك التشريع.
ويتضمن هتاف الآيات فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَار بشرى ربانية تمد المسلمين بالروح والقوة والأمل في ظرفهم الحاضر المشابه للظرف الذي كان فيه المسلمون تحت راية الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ حيث يحتل الذين كفروا من أهل الكتاب الصهيونيون اليهود جميع فلسطين عدوانا واغتصابا بعد أن شردوا معظم أهلها عنها بمساعدة وتأييد طواغيت الاستعمار الطامعين بالسيطرة على بلاد العرب وثرواتها. فالمسلمون الآن يظنون كما كان يظن المسلمون الأولون أنهم غير قادرين على استرداد الأرض المغتصبة. والمغتصبون يظنون أنهم لن يغلبوا، ولن يقدر المسلمون على استرداد ما اغتصبوه منهم بسبب ما هم عليه من قوة تمدهم بها أميركا طاغوت الاستعمار الأكبر اليوم، وبسبب تأييد هذا الطاغوت لهم. ولكن الله أتى الذين كفروا من أهل الكتاب الأعداء من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب، وجعلهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين وأجلاهم عن الأرض المقدسة. وهو قادر على أن يفعل ذلك مع الصهيونية وأنصارهم الطغاة المعتدين، ومن تحصيل الحاصل أن نقول : إن على المسلمين أن يقوموا بما أوجبه عليهم كتاب الله في آيات عديدة أخرى فيتضامنوا أشد تضامن، ويتخلوا عن ما هم فيه من تمزق وتخاذل وتهاون، وكل هذا مما مكن عدوهم وأنصاره من بلادهم، ولا يهنوا في كفاحه ويعدوا له كل ما يستطيعون من قوة وقد منحهم الله نعمه العظيمة التي فيها قوة عظمى لو عرفوها وقدروها واستعملوها حق معرفتها وقدرها واستعمالها.
أما حادث إجلاء بني النضير فخلاصة ما ذكرته روايات السيرة والتفسير٢ هي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب مع بعض أصحابه إلى حي بني النضير ليستعين بهم على دية قتيل كان بين قومه وبين النبي، وبين قومه وبين بني النضير في الوقت نفسه حلف وعهد وجوار جريا على التقاليد الجارية، فتظاهروا بالاستعداد لتلبية طلبه، وقالوا لبعضهم : إنكم لن تجدوا فرصة أحسن من هذه الفرصة لاغتياله، وأخذوا يدبرون طريقة لذلك، فارتاب النبي في حركتهم فانسحب بسلام، وأرسل إليهم في اليوم التالي إنذارا بالجلاء في ظرف عشرة أيام على أن يأخذوا أموالهم المنقولة، ويقيموا وكلاء على أراضيهم وبساتينهم. وكانوا حلفاء لقوم كبير المنافقين عبد الله بن أبي فاستشاروهم فحرضوهم على الرفض ووعدوهم بالنصر فاغتروا ورفضوا، فحاصرهم النبي وضيق عليهم وأمر بقطع بعض نخيلهم إرغاما وإرهابا، ولم يجد المنافقون من حلفائهم وفاء بما وعدهم به من النصر، فاستولى الرعب عليهم ورضوا بالجلاء بشروط أشد من الأولى بسبب تمردهم وعنادهم، وهي تسليم سلاحهم وتنازلهم عن أراضيهم وبساتينهم وحمل منقولاتهم فقط.
وفي آيات آتية من السورة إشارة إلى ما كان من قطع النبي لبعض نخيلهم وإلى ما كان من مواقف المنافقين حلفائهم ؛ حيث يتسق ذلك مع الروايات التي أوجزناها.
ومما روته الروايات أن بني النضير أرادوا إظهار الزهو والخيلاء وهم يخرجون ؛ حيث كانت قيانهم يعزفن وأصحاب الدفوف والمزامير يضربون بدفوفهم ومزاميرهم، وأنهم هدموا بيوتهم وحملوا سقفها وعضائدها وأبوابها، وأن اثنين منهم أسلما فبقيا حيث هم، سالمة لهم أموالهم، وأن منهم من ذهب إلى بلاد الشام، ومنهم من ذهب إلى خبير فأقام مع يهودها، ومن هؤلاء زعماؤهم الذي تزعموا يهود خبير، وقد هدموا بيوتهم ونزعوا الأعمدة والأبواب الخشبية منها وحملوها ؛ لئلا ينتفع بها المسلمون، فجاء المسلمون فأتموا تخريب هذه البيوت وهذا ما تضمنته جملة بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ على ما رواه المفسرون.
ومما روته الروايات كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم احتاز من سلاحهم ثلاثمائة وأربعين سيفا وخمسين درعا وخمسين بيضة.
ولقد تعددت تأويلات المفسرين ورواياتهم لجملة لأَوَّلِ الْحَشْرِ ٣ فقيل : إنهم سألوا النبي إلى أين نخرج ؟ فقال لهم : إلى أول الحشر في الشام، وقيل : إن معناها ( هذا هو الحشر الأول أي الجلاء الأول، ويعقبه حشر ثان وهو ما تم في زمن عمر بن الخطاب ) وقيل : إن معناها أنهم لم يلبثوا أن استسلموا وقبلوا الخروج لأول ما حشر النبي عليهم واستعد لقتالهم. ولعل التأويل الأخير هو الأوجه ؛ لأنه لم يقع قتال بينهم وبين المسلمين، وهو المتسق مع روح الآية الثانية التي هي بسبيل تقرير ما كان من تيسير الله بخروجهم بسهولة وسرعة لم تكونا متوقعتين لأحد، وتأويل الجملة بأنها أول جلاء يهودي يتناقض مع ما هو متفق عليه من أن بني قينقاع كانوا أول من أجلي من اليهود على ما شرحناه في سياق سورة الأنفال.
وجملة ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ واسعة المدى والشمول، وتدل على أنه كان من يهود بني النضير مواقف عديدة مؤذية ومزعجة تجاوزت مواقف الجدل والمناظرة في شؤون الدعوة بل وتجاوزت مواقف التشكيك والاستهتار والاستخفاف والطعن، وأن محاولتهم اغتيال النبي كانت السبب المباشر. ولقد كان كعب بن الأشرف منهم وكان شاعرا، فكان يهجو النبي والمسلمين بقصائده المقذعة، ويشبب بنسائهم حتى إن النبي انتدب المسلمين إلى اغتياله فلبى الطلب بعضهم وذهبوا فاغتالوه. وكان ذلك قبل هذه الواقعة٤.
التفسير الحديث
دروزة