قوله تعالى : لاَ يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة أي : في الفضل والرتبة١، لما أرشد المؤمنين إلى ما هو مصلحتهم يوم القيامة٢، بقوله : وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وهدّد الكافرين بقوله : كالذين نَسُواْ الله فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ بين بهذه الآية الفرق بين الفريقين. واعلم أن الفرق بينهما معلوم بالضرورة، وإنما ذكر الفرق في هذا الموضع للتنبيه على عظم ذلك الفرق٣، ثم [ قال : أَصْحَابُ الجنة هُمُ الفائزون . وهذا كالتفسير لنفي تساويهما، و«هم » يجوز أن يكون فصلاً، وأن يكون مبتدأ، فعلى الأول : الإخبار بمفرد، وعلى الثاني : بجملة٤.
ومعنى «الفَائِزُونَ » المقربون المكرمون٥، وقيل : الناجون من النار، ونظير هذه الآية قوله : لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب [ المائدة : ١٠٠ ]، وقوله : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ [ السجدة : ١٨ ]، وقوله : أَمْ نَجْعَلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجّار ] ٦ [ ص : ٢٨ ].
فصل :
احتجّت المعتزلة بهذه الآية على أن صاحب الكبيرة لا يدخل الجنة بهذه الآية٧، قالوا : لأن الآية دلت على أن أصحاب النار وأصحاب الجنة لا يستويان، [ فلو دخل صاحب الكبيرة الجنة لكان أصحاب الجنة وأصحاب النار يستويان ] ٨، وهو غير جائز وجوابه معلوم.
فصل في أن المسلم لا يقتل بالذمي :
دلت هذه الآية على أن المسلم لا يقتلُ بالذمي كما هو مذكور في كتب الفقه٩.
٢ ينظر الفخر الرازي ٢٩/١٥٣..
٣ ينظر: السابق ٢٩/٢٥٤..
٤ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٩..
٥ ينظر: القرطبي ١٨/٣٠..
٦ سقط من: أ..
٧ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٥٤..
٨ سقط من: أ..
٩ لا يجوز قتل مسلم بكافر وهو مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي والثوري وابن شبرمة والشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور. واحتج هؤلاء بما أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب: العاقلة ١٢/٢٥٦ (٦٩٣)، عن أبي جحيفة أنه قال: سألت عليا هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهماً يعطى رجل في كتابه وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر. عمدة القارئ ١٩/٣٤٩، فتح الباري ١٢/٢٧٢، روضة الطالبين ٩/١٥٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود