المعنى الجملي : بعد أن ذكر المضلين من المنافقين، وبين أن ما يقولون غير ما يبطنون، وأن مثلهم كمثل الشيطان في الإغواء والإضلال، ثم أعقبه بذكر الضالين من بني النضير وكيف خدعوا بتلك الوعود الخلابة التي كانت عليهم وبالا ونكالا، وكان فيها سوء حالهم في دنياهم ودينهم- شرع ينصح المؤمنين بلزوم التقوى، وأن يعملوا في دنياهم ما ينفعهم في أخراهم حتى ينالوا الثواب العظيم، والنعيم المقيم، وألا ينسوا حقوق الله، فيجعل الرين على قلوبهم، فلا يقدموا لأنفسهم ما به رشادهم وفلاحهم.
ثم وازن بين من يعمل الحسنات، ومن يجترم السيئات فقال : لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أي لا يستوي الذين نسوا الله فاستحقوا الخلود في النار، والذين اتقوا الله فاستحقوا الخلود في الجنة. ونحو الآية قوله تعالى : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [ الجاثية : ٢١ ] وقوله : أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار [ ص : ٢٨ ].
ثم بين عدم استوائهما فقال : أصحاب الجنة هم الفائزون أي أصحاب الجنة هم الفائزون بكل مطلوب، الناجون من كل مكروه.
وفي هذا تنبيه إلى أن الناس لفرط غفلتهم وقلة تفكرهم في العاقبة، وتهالكهم على إيثار العاجلة، واتباعهم للشهوات الفانية، كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار، وشاسع البون بين أصحابهما، وأن الفوز لأصحاب الجنة، فمن حقهم أن يعلموا ذلك بعد أن نبهوا له، كما تقول لمن عقّ أباه : هو أبوك- تجعله كأنه لا يعرف ذلك فتنبهه إلى حق الأبوة الذي يقتضي البر والعطف.
تفسير المراغي
المراغي