ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى أي أموال أهل القرى بيان للأول، ولذلك لم يعطف لكنه يعم الأول يعني بني النضير وغيره، فإن قيل لو كان هذا بيانا للأول لكان للأنصار أيضا حقا في فيء بني النضير مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعط من فيء بني النضير شيئا للأنصار غير ثلاثة منهم ؟، قلنا كان للأنصار أيضا فيه حقا لكنهم آثروا المهاجرين على أنفسهم وجعل حقهم لهم كما سيأتي، قال ابن عباس في تفسير أهل القرى وهي قريظة والنضير وفدك وخيبر وقرى عرينة، وقال جلال الدين المحلي كان الصفراء ووادي القرى وينع قلت : والصحيح أن خيبر فتحت عنوة وقسمت بين أهل الحديبية على ثمانية عشر سهما كما مر في سورة الفتح. فلله افتتاح كلام للتبرك، وإضافة هذا المال إلى نفسه لشرفه وليس المراد منه أن سهما منه له تعالى مفردا فإن الدنيا والآخرة كلها الله تعالى وهو قول الحسن وقتادة وعطاء وإبراهيم والشعبي وعامة الفقهاء وعامة المفسرين، وقال بعضهم يصرف سهم الله تعالى في عمارة الكعبة والمساجد، وللرسول ولذي القربى يعني أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم وبنو المطلب لحديث جبير بن مطعم قال لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني مطلب أتيته أنا وعثمان، فقلنا يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا ) وشبك بين أصابعه رواه الشافعي وفي رواية أبو داود والنسائي ونحوه وفيه ( أنا وبنو المطلب لا نفترق في الجاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شيء واحد ) وشبك بين أصابعه١، واليتامى الصغار الذين لا أب لهم، والمساكين وابن السبيل المسافر البعيد من ماله كان المستفاد فيما مر من الأية أن الفيء مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم وضم هاهنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأصناف المذكورة إشعارا بما يفعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المال. ولما كان مال الفيء بحيث لا نصيب فيه لرجال بعينهم كما في الغنائم للغانمين بل قسمة مفوض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى خلفائه من بعده، وجاز لهم اختيار أشخاص من الأصناف المذكورة به عليه السلام نافيا لاختصاص المال به عليه السلام والله تعالى أعلم كي لا يكون دولة متعلق بالظرف المستقر أعني فلله وللرسول قرأ هشام بخلاف عنه تكون بالتاء الفوقانية على التأنيث ودولة بالرفع على الفاعلية، وكان حينئذ تامة والباقون بالياء التحتانية على التذكير على أن ضمير الفاعل راجع إلى الموصول، ودولة منصوب على أنه خبر كان الناقصة. بين الأغنياء منكم يعني لا يكون ما يتداوله الأغنياء بينهم دون الفقراء كما كان في الجاهلية بل جعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسمه على ما يراه مصلحة فيما أمر به، ثم قال : وما آتاكم أعطاكم الرسول من الفيء فخذوه ولا تطعموا فيما زاد على ما طابت نفسه، وما نهاكم عنه من الغلول وغيره، فانتهوا ذكر هذه الجملة معترضة كيلا يطمع الناس من الرسول فيما لا يرضاه، وهذا نازل في الفيء وهو عام في كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عنه، عن عبد الله ابن مسعود قال ( لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات للحسن المغيرات خلق الله ) فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب فجاءت فقالت إنه قد بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال مالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هو في كتاب، فقالت قرأت كما بين اللوحين فما وجدت فيها ما تقول لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوه قالت بلى قال فإنه قد نهى عنه٢ رواه البخاري. واتقوا الله في مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم معترضة أخرى، إن الله شديد العقاب لمن خالفه تعليل لما سبق.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: التفسير باب: وما آتاكم الرسول فخذوه ٤٨٨٦.
التفسير المظهري
المظهري