ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه ما حلّ ببني النضير من العذاب العاجل كتخريب بيوتهم بأيديهم وتحريق نخليهم وتقطيعها، ثم إجلائهم من بعد ذلك عن الديار إلى الشام دون أن يحملوا إلا القليل من المتاع- ذكر هنا حكم ما أخذ من أموالهم، فجعله فيئا لله ورسوله ينفق منه على أهله نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدّة في سبيل الله، ولا يقسم بين المقاتلة كالغنيمة، لأنهم لم يقاتلوا لأجله.
روي أن الصحابة رضي الله عنهم طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة في بدر وغيرها بينهم، فبين سبحانه الفرق بين الأمرين، بأن الغنيمة تكون فيما أتبعتم أنفسكم في تحصيله وأوجفتم عليه الخيل والركاب، والفيء فيما لم تتحملوا في تحصيله تعبا، وحينئذ يكون أمره مفوضا إلى الرسول يضعه حيث يشاء.
شرح المفردات : من أهل القرى : أي من أهل البلدان التي تفتح هكذا بلا قتال، ولذي القربى : أي بني هاشم وبني المطلب، قال المبرد : الدُّولة- بالضم- الشيء الذي يتداوله القوم بينهم يكون كذا مرة وكذا أخرى، والدولة ( بالفتح ) انتقال حال سارّة من قوم إلى قوم، أي فالأولى اسم لما يتداول من المال، والثانية اسم لما ينتقل من الحال، آتاكم : أي أعطاكم، وما نهاكم عنه : أي ما منعكم عن فعله.
وبعد أن أتمّ الكلام في إجلاء بني النضير وفيهم أعقبه بالكلام في حكم ما أفاء الله على رسوله من قرى الكفار عامة فقال :
ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل أي ما رده الله إلى رسوله من كفار أهل القرى كقريظة والنضير وفدك وخيبر، فيصرف في وجوه البر والخير ولا يقسم تقسيم الغنائم، بل يعطي للرسول ولذوي قرباه من مؤمني بني هاشم وبني المطلب، ولليتامى الفقراء، وللمساكين ذوي الحاجة والبؤس، ولابن السبيل الذي انقطع عنه ماله، ولا يمكن أن يصل إليه لبعد الشقة وانقطاع طرق المواصلات، وقد كان ذلك حين كانت طرق الوصول شاقة، لكنها الآن سهلة وهي على أساليب شتى، فيمكن المرء أن يطلب ما شاء بحوالة على أي مصرف في أي بلد على سطح الكرة الأرضية، ومن ثم فهذا النوع لا يوجد الآن.
ثم علل هذا التقسيم بقوله : كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم أي وإنما حكمنا بذلك وجعلناه مقسما بين هؤلاء المذكورين، لئلا يأخذه الأغنياء ويتداولوه فيما بينهم، ويتكاثروا به، كما كان ذلك دأبهم في الجاهلية، ولا يصيب الفقراء من ذلك شيء.
وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا أي وما أعطاكم الرسول من الفيء وغيره فخذوه فهو لكم حلال، وما نهاكم عنه فابتعدوا عنه ولا تقرَبوه، فإن الرسول لا ينطق عن الهوى كما قال سبحانه : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [ النحل : ٤٤ ].
أخرج الشيخان وأبو داود والترمذي في جماعة عن ابن مسعود قال :( لعن الله تعالى الواشمات١ والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب كانت تقرأ القرآن فقالت بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال : ما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله عز وجل، فقالت : لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، قال إن كنت قرأته فقد وجدته، أما قرأت قوله تعالى : وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ؟ قالت : بلى، قال : فإنه صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه.
وعن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لا أُلفينّ أحدكم متكئا على أريكة يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ).
ثم حذرهم من مخالفة أوامر الله ونواهيه فقال : اتقوا الله إن الله شديد العقاب أي واتقوا الله فامتثلوا أوامره، واتركوا نواهيه، فإنه شديد العقاب لمن عصاه، وخالف أمره وأباه، وارتكب ما عنه زجره ونهاه، ورسوله ترجمان عما يريده الله لخير عباده وسعادتهم في الدنيا والآخرة.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير