روى البخاري وكذا مسلم عن عروة ابن الزبير عن مسور ابن مخرمة ومروان ابن الحكم يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا كان فيما اشترط سهيل ابن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه فكره المؤمنون ذلك وأبى سهيل إلا ذلك فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم فرد يومئذ أبا جندل إلى سهيل ابن عمر ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وهي عاتق فجاء أهلها يسئلون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها لما أنزل الله فيهن١ : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن أي فاختبروهن بما غلب على ظنكم موافقة قلوبهن ألسنتهن في الإيمان صفة القلب ولا يعلم بما في الصدور إلا والله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات علما يمكنكم تحصيله وهو الظن الغالب بالخلق وظهور الأمارات وسماه علما إيذانا بأن الظن كالعلم في وجوب العمل به، فلا ترجعوهن إلى أزواجهن الكفار لأنه لا هن حل لهم لحصول الفرقة بين الكافر والمسلمة وقد مر في سورة النساء في تفسير قوله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ٢ أنه يقع الفرقة بين المهاجرة وبين زوجها الكافر لمجرد الخروج من دار الحرب عند أبي حنيفة لاختلاف الدارين وعند الأئمة الثلاثة بعد ثلاث حيض من وقت إسلامه إن دخل بها وإلا فمن وقت إسلامها ولا هم يحلون لهن بتجديد النكاح لعدم جواز نكاح الكافر بالمسلمة وجاز أن يكون التكرير للتأكيد، قال عروة في الحديث السابق فأخبرتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهم هذه الآية يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك إلى قوله غفور رحيم قال عروة قالت عائشة رضي الله عنها فمن أقرت بهذا الشرط منهن قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بايعناك كلاما يكلمها به والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ما بايعهن إلا بقوله. وقال البغوي قال ابن عباس : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا حتى إذا كان بالحديبية صالحة مشركوا مكة على أن ما أتاه من أهل مكة رده إليهم ومن أتى أهل مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه إليه وكتبوا عليه كتابا وختموا عليه فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة بعد الفراغ من الكتاب، فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم وقيل صيفي ابن الراهب في طلبها وكان كافرا فقال يا محمد اردد علي امرأتاي فإنك قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا وهذا طينة الكتاب لم تجف بعد فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام فامتحنوهن، قال ابن عباس امتحانهن أن تستحلف ما خرجت لبغض زوجها ولا عشقا لرجل من المسلمين ولا رغبة عن أرض إلى أرض ولا لحدث أحدثته ولا التماس للدنيا ولا خرجت إلا رغبة في الإسلام وحبا لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فحلفت فلم يردها وأعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها فتزوجها عمر كان يرد من جاءه من الرجال ويحبس من جاءه من النساء بعد الامتحان ويعطي أزواجهن مهورهن، وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن عبد الله ابن أبي أحمد قال هاجرت أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط في الهدنة فخرج أخواها عمارة والوليد ابن عقبة حتى قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلماه في أم كلثوم أن يردها إليهم فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة ومنع أن يردون إلى المشركين فأنزل الله آية الامتحان، وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد ابن أبي حبيب أنه بلغه نزلت في أميمة بنت بشر أو امرأة أبي حسان ابن الدحداح وأخرج عن مقاتل أن امرأة تسمى سعيدة كانت تحت صيفي ابن الراهب وهو مشرك جاءت زمن الهدنة فقالوا ردها علينا، وأخرج ابن جرير عن الزهري أنها نزلت عليه وهو بأسفل الحديبية كان صالحهم أنه من أتاه منهم رد إليهم فلما جاءت النساء نزلت هذه الآية : وآتوهم الضمير عائد إلى الكفار والمراد أزواجهن، ما أنفقوا عليهن يعني المهور التي دفعوا إليهم وذلك لأن الصلح كان جرى على ردهن فلما تعذروهن لورود النهي عنه لزم رد مهورهن فلو رأى الإمام مصلحة على صلح مثل صالح النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية وجب رد مهر مهاجرة جاءت من الكفار قال البغوي قال الزهري ولولا الهدنة والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء لم يرد الصداق وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد والله تعالى أعلم، ولا جناح عليكم أيها المؤمنون أن تنكحوهن أي المهاجرات وإن كان لهن أزواج في دار الحرب لوقوع الفرقة بينهم وبينهن والآية تدل على عدم اشتراط مضى العدة كما هو في مذهب أبي حنيفة خلافا لصاحبه إذا آتيتموهن أجورهن أي مهورهن شرط إيتاء المهر في نكاحهن إيذانا بأن أعطى أزواجهن الكفار لا يقوم مقام المهر، أخرج ابن أبي منيع من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال أسلم عمر ابن الخطاب وتأخرت امرأته في المشركين فأنزل الله تعالى : ولا تمسكوا قرأ أبو عمر ويعقوب بالتشديد من التفعيل والباقون بالتخفيف من الإفعال بعصم جمع عصمة وهو ما اعتصم به من عقد الموالاة والنكاح ونحو ذلك الكوافر جمع الكافرة نهى الله سبحانه عن المقام على نكاح المشركات قال البغوي قال الزهري فلما نزلت هذه الآية طلق عمر ابن الخطاب امرأتين بمكة مشركتين قرينة بنت أبي أمية ابن المغيرة فتزوجها بعد معاوية ابن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة والأخرى أم كلثوم بنت عمرو ابن جردل الخزاعية أم عبد الله ابن عمر، فتزوجها أبو جهيم ابن حذافة ابن غانم وهما على شركهما وكانت أروى بنت ربيعة ابن الحارث ابن عبد المطلب تحت طلحة ابن عبيد الله فهاجر طلحة وهي على دين قومها، ففرق الإسلام بينهما فتزوجها في الإسلام خالد ابن سعد ابن العاص ابن أمية، قال الشعبي وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص ابن الربيع أسلمت ولحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأقام أبو العاص بمكة مشركا ثم أتى المدينة وأسلم فردها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوا أيها المسلمون أنفقتم من مهر امرأة منكم لحقت بالمشركين مرتدة إذا منعوها ممن تزوجها منهم، وليسألوا أي الكفار من مهور أزواجهم المهاجرات ما أنفقوا ممن تزوجها منكم، ذلكم أي جميع ما ذكر في الآية حكم الله يحكم بينكم استئناف أو حال من الحكم على حذف الضمير أو جعل الحكم حاكما على المبالغة والضمير يحكم عائد إليه والله عليم حكيم يشرع ما يعلم خيرا لكم وما تقتضيه الحكمة، وقال البغوي في قول الزهري فلما نزلت هذه الآية أقر المؤمنون بحكم الله عز وجل وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم وأبي المشركون أن يقروا بحكم الله فيما أمروا من أداء نفقات المسلمين فأنزل الله : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون .
٢ سورة النساء: الآية: ٢٤.
التفسير المظهري
المظهري