ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇ

والآن فلنتحدث عن " آية الامتحان " التي بها سميت السورة المدنية الكريمة سورة " الممتحنة ".
لقد تضمن " صلح الحديبية " الذي انعقد بين المسلمين وكفار قريش قبل فتح مكة بسنتين فقرة فيها شيء من الغموض، يقول نصها ما يأتي : " على أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا "، وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال بأسفل الحديبية عقب عقد الصلح بينه وبين قريش أقبل عليه نساء مسلمات، ممن كن مقيمات بمكة يرغبن في مفارقة أزواجهن المشركين، ويطلبن الهجرة إلى المدينة مع إخوانهن المسلمين، فأنزل الله على نبيه " آية الامتحان " تستثني النساء المسلمات من تلك الفقرة الغامضة التي تضمنها " صلح الحديبية " حتى لا يقع ردهن إلى أيدي المشركين، نظرا لحرمة الإسلام التي يتمتعن بها من جهة، ورقتهن وضعفهن من جهة أخرى، وتبين بذلك أن " شرط الرد إنما كان في الرجال لا في النساء " وأن الشيء الوحيد الذي يرد إلى الأزواج المشركين إنما هو صداق زوجاتهم المسلمات اللائي فارقنهم وأردن الهجرة مع رسول الله إلى " المدينة " وذلك حتى لا يقع عليهم خسران مزدوج : خسران الزوجة وخسران المال، كما طالب كتاب الله المشركين بنفس الشيء إذا جاءتهم امرأة من طرف المسلمين أن يردوا صداقها إلى زوجها المسلم، وذلك قوله تعالى : يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ، أي : أن المسلمات من الآن فصاعدا أصبحن حراما على المشركين، كما أن المشركين أصبحوا حراما على المسلمات : وأتوهم ما أنفقوا ، أي : ادفعوا إلى المشركين الذين كانوا أزواجا للمسلمات المهاجرات ما أنفقوا عليهن من الأصدقة، وينفذ لهم ذلك من " بيت المال "، ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ، أي لا حرج عليكم في الزواج بأولئك المسلمات المهاجرات، المفارقات لأزواجهن المشركين إذا دفعتم لهن صداقا من عندكم وانقضت عدتهن : ولا تمسكوا بعصم الكوافر ، أي : حرام عليكم أيها المسلمون أن تتزوجوا بالمشركات من الآن فصاعدا، كما أن استمرار زواجكم بالمشركات اللاتي سبق تزوجكم بهن أصبح حراما، وهذه دعوة صريحة إلى فراقهن : وسئلوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ، أي : طالبوا المشركين بما أنفقتم من صداق على زوجاتكم إن ارتدت إحداهن وذهبت إليهم بمحض اختيارها، كما أن للمشركين أن يطالبوكم بما أنفقوا من صداق على زوجاتهم المسلمات اللاتي هاجرن مع المسلمين وهذه المطالبة تقوم على أساس المعاملة بالمثل : ذلكم حكم الله يحكم بينكم ، أي : هو حكم الله يحكم به في " صلح الحديبية " فلا ردّ للمسلمات بعد الآن إلى أزواجهن المشركين، طبقا لحكم القرآن، قال ابن كثير : " فعلى هذه الرواية تكون الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن الأمثلة لذلك ".
ونبه القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) المعافري إلى أن الوضع الخاص الذي عالجه " صلح الحديبية " للتبادل بين المشركين والمسلمين على الأساس الذي قررته هذه الآية، إنما كان " مخصوصا بذلك الزمان، وفي تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة " والله عليم حكيم١٠ .
أما الطريقة التي كان يتم بها امتحان المؤمنات المهاجرات اللاتي يفارقن أزواجهن من المشركين، رغبة في الهجرة مع المسلمين، فهي فيما وصفه قتادة : " أن يستحلفن بالله ما أخرجهن النشوز، وما أخرجهن إلا حب الإسلام وأهله، وحرص عليه "، فإذا قلنَ ذلك قبل منهن، وفيما وصفه عكرمة يقال لها : " ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل منا، ولا فرار من زوجك "، فإذا قالت ذلك قبل منها. وفيما وصفه مجاهد : " أن يسألن عما جاء بهن، فإن كان بهن غضب على أزواجهن، أو سخطة، أو غيرة، ولم يؤمن أرجعن إلى أزواجهن ".

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير