ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇ

( ١ ) فامتحنوهن : اختبروا صحة دعواهم للإسلام.
( ٢ ) وآتوهم ما أنفقوا : الضمير راجع إلى الكفار أزواج اللائي جئن إلى المدينة مهاجرات مؤمنات. والجمهور على أن جملة : ما أنفقوا تعني مهور النساء.
( ٣ ) عصم : القصد منها عقود الزوجية.
( ٤ ) الكوافر : جمع كافرة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ( ١ ) اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ( ٢ ) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ( ٣ ) الْكَوَافِرِ ( ٤ ) وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ١٠ ) وَإِن فَاتَكُمْ ( ٥ ) شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ ( ٦ ) فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ( ١١ ) ( ١٠ – ١١ ).
الخطاب في الآيات موجه إلى المسلمين، وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا بامتحان من يأتين إليهم مؤمنات مهاجرات واختبار صحة دعواهن الإيمان أو التوثق منها.
( ٢ ) ونهيا عن إعادتهن إلى الكفر إذا ثبتت صحة دعواهن ؛ لأنهن يكن قد أصبحن محرمات على الكفار وأصبح الكفار محرمين عليهن.
( ٣ ) وأمرا بالتعويض على أزواجهم الكفار ما أنفقوه عليهن.
( ٤ ) وإباحة لهم أن يتزوجوا باللائي جئن مؤمنات مهاجرات.
( ٥ ) ونهيا لهم عن الاستمرار في التمسك بأنكحة زوجاتهم اللاتي بقين على كفرهن وتخلفن عنهم مع تقرير حق الأزواج بمطالبة ذويهن الكفار بما أنفقوا عليهن وحق الأزواج الكفار بالمطالبة بما أنفقوه على زوجاتهم اللاتي أسلمن وهاجرن.
( ٦ ) وتقريرا لحق الأزواج المسلمين الذين تلتحق زوجاتهم بذويهن في دار الكفر باستيفاء ما أنفقوه عليهن من الغنائم التي قد تقع في أيدي المسلمين من أموال الكفار حينما يتيسر لهم ذلك.
( ٧ ) وتنبيها إلى أن هذه الأحكام هي أحكام الله التي يجب السير في نطاقها وهو العليم بمقتضيات الأمور الذي يقرر ما فيه الحكمة والصواب.

تعليق على الآية :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ..................... الخ والآية التي بعدها وما ينطوي فيهما من أحكام وصور وتلقين :
لقد روى المفسرون ( ١ )١، أن الآية الأولى نزلت في نسوة جئن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مهاجرات مؤمنات من مكة بعد صلح الحديبية، ومنهم من روى أنهن جئن وهو في الحديبية بعد أن تم الاتفاق بينه وبين قريش، وقبل أن يرجع إلى المدينة، ومنهم من ذكر أسماء اختلفت باختلاف الروايات مثل سبيعة بنت الحارث الأسلمية زوجة من بني مخزوم أو زوجة صيفي الراهب أو أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت عاتقا – غير متزوجة – أو أميمة بنت بشر إحدى نساء بني أمية بن زيد بن أوس الله كانت عند ثابت بن الدحداحة، فجاء ذووهن أو أزواجهن في طلبهن استنادا إلى شروط الصلح التي تنص على إرجاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يأتيه من مكة بدون إذن وليه ولو جاء مسلما، فأمر الله في الآية بعدم إرجاعهن.
واحتمال صحة إحدى الروايات قوي مع ترجيحنا وقوع الحادث بعد رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بمدة ما على ما تلهمه روح الآية ومقامها المتأخر كثيرا عن سورة الفتح. فلو لم يكن هناك عهد لما كان ضرورة للأمر بعدم الإرجاع، ولما كان هناك مجال لمجيء الكفار ومطالبتهم بالإرجاع كما هو ظاهر.
والآيتان وحدة تشريعية تامة ومنسجمة بحيث يسوغ ترجيح نزولهما معا بقوة. وفيهما أمور ليست من أسباب ومحتوى الرواية ؛ حيث يصح القول بأن حكمة التنزيل اقتضت تضمين الآيتين أحكاما متصلة بأمور عديدة من باب واحد في مناسبة إحدى الحوادث المروية.
ولقد تعددت روايات المفسرين في حقيقة شروط الصلح لمعرفة ما إذا كان في الأمر بعدم الإرجاع نسخ لبعضها. فمن هذه الروايات أن النص كان مطلقا ( لا يأتيك أحد منا بدون إذن أهله إلا رددته ولو كان مسلما ). ومنها أنه كان بهذه الصيغة ( لا يأتيك رجل منا......... الخ ). ومنها أنه كان في شأن النساء فقط هكذا ( لا تأتيك امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج ترد على زوجها الذي أنفق ). وليس هناك نص للعهد في حديث صحيح.
والنفس تطمئن إلى الرواية الأولى أكثر من غيرها. ولا سيما وهناك رواية ذكرت أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو وكان مسلما قد قيده أبوه بالحديد وحبسه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية يرسف في أغلاله، وكان أبوه هو مندوب المفاوضة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان الاتفاق قد تم على الشروط فطلب الأب رد الابن تنفيذا للعهد فرده النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما شرحناه في سياق سورة الفتح. والرواية الثالثة متطابقة الفحوى مع الآية الأولى فلا يكون هناك ضرورة لأمر رباني ناسخ للاتفاق. وهذا فضلا عن أن نقض العهد الصريح وعدم تنفيذه لم يكن متسقا مع المبادئ القرآنية المكررة يشأن الوفاء بالعهود والعقود. وآيات سورة المائدة الأولى بخاصة قوية شديدة في شأن صلح الحديبية على ما شرحناه في مناسبتها. ومن جهة أخرى فإن المشركين ما كانوا ليقبلوا بذلك. وكانوا اعتبروا الصلح منقوضا، وحملوا تبعة نقضه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يرو شيء من ذلك. والمأثور أن العهد ظل محترما معتبرا إلى أن نقضه أهل مكة وحلفاؤهم بنو بكر بعد سنتين، فكان ذلك سببا لزحف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على رأس المسلمين على مكة وفتحها.
والمتبادر أن قريشا كانوا يعتبرون نص العهد شاملا للنساء والرجال معا. فجاء ذوو النساء المهاجرات إلى المدينة ليطالبوا بردهن. ولم يكن هذا النص صريح الشمول، فشاءت حكمة التنزيل أن يؤمر المؤمنون بعدم إرجاعهن ما دام ليس هناك نص صريح، ثم شاءت أن يعوض أزواجهن عن النفقة التي أنفقوها والتي يتفق المؤولون على أن المراد منها الصداق إرضاء لهم ؛ لأنهم كانوا يرون في المطالبة بردهن شبهة من الحق. ولم ير أحد أنهم رفضوا هذا الحل ؛ حيث ينطوي في هذا أنهم لم يكونوا يرون أنفسهم محقين أو مستندين إلى نص صريح. وهو بعد حل فيه العدل والإحسان. وفيه تلقين جليل في كل موقف مماثل.
ويلفت النظر خاصة إلى جعل الحقوق متبادلة بين المسلمين والكفار في مطالبة الأزواج المسلمين تعويضا عن نسائهم اللائي تخلفن عنهم أو التحقن بذويهم ولو كن كوافر أصلا أو ارتدادا، وفي مطالبة الأزواج الكفار تعويضا عن نسائهم اللائي أسلمن والتحقن بالمسلمين. ففي ذلك تسوية متقابلة عادلة إنما تكون في ظروف عهدية وسلمية مستمرة ومحترمة من طرفيها. وفي ذلك أمارة من أمارات رحابة أفق وصدر الشريعة الإسلامية في المناسبات بين المسلمين وغير المسلمين، وتلقين جليل مستمر المدى في كل موقف مماثل أيضا.
والحادث الذي نزلت الآيتان في مناسبته، والأمر بعدم الإرجاع يدلان على كل حال على أن موقف المسلمين صار أقوى من موقفهم أثناء عقد صلح الحديبية، فاقتضت حكمة التنزيل التساهل في مسألة ليس فيها نص صريح. في حين لم يكونوا في تلك الأثناء من القوة ما يكفي لإصرارهم على المساواة في بعض الشروط، وبخاصة في عدم إرجاع من يأتي إليهم من ناحية المشركين مقابل عدم إرجاع هؤلاء من يأتي إليهم من ناحية المسلمين مما كان مثيرا لنفوس بعض المسلمين على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الفتح.
ولقد روى المفسرون ( ١ )٢، روايات عديدة في كيفية الامتحان الذي أمرت الآية الأولى به. منها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحلف المرأة بالله أنها ما خرجت من بغض زوج ولا لالتماس دنيا، وإنما خرجت حبا لله ورسوله. ومنها أنه كان يحلفها بأنها لم تخرج إلا للدين. ومنها أنه كان يطلب منها بيعة بصيغة الآية التالية للآيتين. وهي ( أن لا تشرك بالله شيئا ولا تسرق ولا تزني ولا تقتل أولادها ولا تأتي ببهتان تفتريه بين يديها ورجليها ولا تعصيه في معروف ). وهذه الرواية بخاصة من مرويات البخاري والترمذي في سياق تفسير الآية عن عائشة حيث قالت :( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية ) ( ٢ )٣. ونحن نرجح هذه الرواية ؛ لأنها أوثق سندا وبقرينة ورود الآية التي تحتوي الصيغة بعد الآيتين. ولعلها نزلت معهما.
ولقد انطوى في الآيتين صور عديدة من صور السيرة النبوية في العهد المدني زادتها الروايات جلاء.
( ١ ) من ذلك أن بعض النساء المكيات اللاتي أسلمن ولم يستطعن الهجرة، وظلت المتزوجات منهن في كنف أزواجهم المشركين كن يتحين الفرصة للهجرة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تاركات وطنهن وأهلهن وأزواجهن على ما كان يحف هذا العمل من أخطار ومصاعب. وفي هذا صورة رائعة للمرأة العربية ودورها في الدعوة الإسلامية وما بثه الإسلام فيها من قوة وإخلاص وجرأة وإقدام وتضحية.
( ٢ ) ومن ذلك أن بعض زوجات المهاجرين تخلفن عن أزواجهن محتفظات بشركهن، ومؤثرات أهلهن على أزواجهن، وممن روت الروايات أسماءهن قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة وأم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية زوجتي عمر بن الخطاب وأروى بنت ربيعة طلحة بن عبيد الله ( ١ )٤.
( ٣ ) ومن ذلك أن من المهاجرات من ارتددن وفررن من المدينة ولحقن بأهلهن. وممن ذكرت الروايات أسماءهن أم الحكم بنت أبي سفيان زوجة عياض بن شداد، وبروع بنت عقبة زوجة شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى زوجة عمرو بن عبدود، وهند بنت أبي جهل بن هشام زوجة هشام بن العاص بن وائل ( ٢ )٥.
( ٤ ) ومن ذلك أن بعض المسلمين ظلوا يحتفظون بعقد زوجيتهم بالكافرات اللاتي تخلفن عنهم ولم يسلمن ولم يهاجرن. وممن ذكرت الروايات أسمائهن عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله وزوجاتهم اللاتي ذكرنا أسماءهن قبل قليل فطلقناهن بناء على أمر الله في الآية الأولى ) ( ٣ )٦.
( ٥ ) ومن الصور الطريفة التي رواها الطبري أن زوجة أحد المسلمين فرت إلى مكة وجاءت في هذه الأثناء امرأة من مكة مهاجرة مؤمنة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي ذهبت زوجته وقال للمرأة القادمة : هذا زوج التي ذهبت إلى المشركين أزوجكه ؟ فقالت : يا رسول الله عذر الله زوجة هذا أن تفر منه، لا والله ما لي به حاجة. فدعا رجلا جسيما اسمه البختري فقال لها : هذا ؟ قالت : نعم.
ومما يلحظ أن آية سورة البقرة ( ٢٢١ ) نهت عن نكاح المشركات. فالظاهر أن هذا النهي فهم على أنه بالنسبة للزواج بعد الإسلام، وأنه ليس شاملا للعقود الزوجية السابقة، فاحتفظ المسلمون بزوجاتهم الكافرات إلى أن نزلت هذه الآيات. وفي هذا مشهد من مشاهد تطور التشريع القرآني.
وقد قال المؤولون على ما ذكره الطبري وغيره في جملة : وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا إن المرأة إذا جاءت مؤمنة مهاجرة ووجب أداء صداقها إلى زوجها الكافر أخذ هذا الصداق من المؤمن الذي يتزوجها، وهذا حل حق. غير أن هناك حالة مفروضة، وهي أن لا يتيسر للمرأة زواج والمتبادر أن أداء صداقها يكون على جميع المؤمنين أو على بيت مالهم. ويكون المخاطب بالتنفيذ في هذه الحالة ولي أمر المؤمنين فيجمعه من القادرين من المؤمنين، أو يؤ


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ( ١ ) اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ( ٢ ) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ( ٣ ) الْكَوَافِرِ ( ٤ ) وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ١٠ ) وَإِن فَاتَكُمْ ( ٥ ) شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ ( ٦ ) فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ( ١١ ) ( ١٠ – ١١ ).
الخطاب في الآيات موجه إلى المسلمين، وقد تضمنت :
( ١ ) أمرا بامتحان من يأتين إليهم مؤمنات مهاجرات واختبار صحة دعواهن الإيمان أو التوثق منها.
( ٢ ) ونهيا عن إعادتهن إلى الكفر إذا ثبتت صحة دعواهن ؛ لأنهن يكن قد أصبحن محرمات على الكفار وأصبح الكفار محرمين عليهن.
( ٣ ) وأمرا بالتعويض على أزواجهم الكفار ما أنفقوه عليهن.
( ٤ ) وإباحة لهم أن يتزوجوا باللائي جئن مؤمنات مهاجرات.
( ٥ ) ونهيا لهم عن الاستمرار في التمسك بأنكحة زوجاتهم اللاتي بقين على كفرهن وتخلفن عنهم مع تقرير حق الأزواج بمطالبة ذويهن الكفار بما أنفقوا عليهن وحق الأزواج الكفار بالمطالبة بما أنفقوه على زوجاتهم اللاتي أسلمن وهاجرن.
( ٦ ) وتقريرا لحق الأزواج المسلمين الذين تلتحق زوجاتهم بذويهن في دار الكفر باستيفاء ما أنفقوه عليهن من الغنائم التي قد تقع في أيدي المسلمين من أموال الكفار حينما يتيسر لهم ذلك.
( ٧ ) وتنبيها إلى أن هذه الأحكام هي أحكام الله التي يجب السير في نطاقها وهو العليم بمقتضيات الأمور الذي يقرر ما فيه الحكمة والصواب.
تعليق على الآية :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ..................... الخ والآية التي بعدها وما ينطوي فيهما من أحكام وصور وتلقين :
لقد روى المفسرون ( ١ )١، أن الآية الأولى نزلت في نسوة جئن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مهاجرات مؤمنات من مكة بعد صلح الحديبية، ومنهم من روى أنهن جئن وهو في الحديبية بعد أن تم الاتفاق بينه وبين قريش، وقبل أن يرجع إلى المدينة، ومنهم من ذكر أسماء اختلفت باختلاف الروايات مثل سبيعة بنت الحارث الأسلمية زوجة من بني مخزوم أو زوجة صيفي الراهب أو أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت عاتقا – غير متزوجة – أو أميمة بنت بشر إحدى نساء بني أمية بن زيد بن أوس الله كانت عند ثابت بن الدحداحة، فجاء ذووهن أو أزواجهن في طلبهن استنادا إلى شروط الصلح التي تنص على إرجاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يأتيه من مكة بدون إذن وليه ولو جاء مسلما، فأمر الله في الآية بعدم إرجاعهن.
واحتمال صحة إحدى الروايات قوي مع ترجيحنا وقوع الحادث بعد رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بمدة ما على ما تلهمه روح الآية ومقامها المتأخر كثيرا عن سورة الفتح. فلو لم يكن هناك عهد لما كان ضرورة للأمر بعدم الإرجاع، ولما كان هناك مجال لمجيء الكفار ومطالبتهم بالإرجاع كما هو ظاهر.
والآيتان وحدة تشريعية تامة ومنسجمة بحيث يسوغ ترجيح نزولهما معا بقوة. وفيهما أمور ليست من أسباب ومحتوى الرواية ؛ حيث يصح القول بأن حكمة التنزيل اقتضت تضمين الآيتين أحكاما متصلة بأمور عديدة من باب واحد في مناسبة إحدى الحوادث المروية.
ولقد تعددت روايات المفسرين في حقيقة شروط الصلح لمعرفة ما إذا كان في الأمر بعدم الإرجاع نسخ لبعضها. فمن هذه الروايات أن النص كان مطلقا ( لا يأتيك أحد منا بدون إذن أهله إلا رددته ولو كان مسلما ). ومنها أنه كان بهذه الصيغة ( لا يأتيك رجل منا......... الخ ). ومنها أنه كان في شأن النساء فقط هكذا ( لا تأتيك امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج ترد على زوجها الذي أنفق ). وليس هناك نص للعهد في حديث صحيح.
والنفس تطمئن إلى الرواية الأولى أكثر من غيرها. ولا سيما وهناك رواية ذكرت أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو وكان مسلما قد قيده أبوه بالحديد وحبسه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية يرسف في أغلاله، وكان أبوه هو مندوب المفاوضة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان الاتفاق قد تم على الشروط فطلب الأب رد الابن تنفيذا للعهد فرده النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما شرحناه في سياق سورة الفتح. والرواية الثالثة متطابقة الفحوى مع الآية الأولى فلا يكون هناك ضرورة لأمر رباني ناسخ للاتفاق. وهذا فضلا عن أن نقض العهد الصريح وعدم تنفيذه لم يكن متسقا مع المبادئ القرآنية المكررة يشأن الوفاء بالعهود والعقود. وآيات سورة المائدة الأولى بخاصة قوية شديدة في شأن صلح الحديبية على ما شرحناه في مناسبتها. ومن جهة أخرى فإن المشركين ما كانوا ليقبلوا بذلك. وكانوا اعتبروا الصلح منقوضا، وحملوا تبعة نقضه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يرو شيء من ذلك. والمأثور أن العهد ظل محترما معتبرا إلى أن نقضه أهل مكة وحلفاؤهم بنو بكر بعد سنتين، فكان ذلك سببا لزحف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على رأس المسلمين على مكة وفتحها.
والمتبادر أن قريشا كانوا يعتبرون نص العهد شاملا للنساء والرجال معا. فجاء ذوو النساء المهاجرات إلى المدينة ليطالبوا بردهن. ولم يكن هذا النص صريح الشمول، فشاءت حكمة التنزيل أن يؤمر المؤمنون بعدم إرجاعهن ما دام ليس هناك نص صريح، ثم شاءت أن يعوض أزواجهن عن النفقة التي أنفقوها والتي يتفق المؤولون على أن المراد منها الصداق إرضاء لهم ؛ لأنهم كانوا يرون في المطالبة بردهن شبهة من الحق. ولم ير أحد أنهم رفضوا هذا الحل ؛ حيث ينطوي في هذا أنهم لم يكونوا يرون أنفسهم محقين أو مستندين إلى نص صريح. وهو بعد حل فيه العدل والإحسان. وفيه تلقين جليل في كل موقف مماثل.
ويلفت النظر خاصة إلى جعل الحقوق متبادلة بين المسلمين والكفار في مطالبة الأزواج المسلمين تعويضا عن نسائهم اللائي تخلفن عنهم أو التحقن بذويهم ولو كن كوافر أصلا أو ارتدادا، وفي مطالبة الأزواج الكفار تعويضا عن نسائهم اللائي أسلمن والتحقن بالمسلمين. ففي ذلك تسوية متقابلة عادلة إنما تكون في ظروف عهدية وسلمية مستمرة ومحترمة من طرفيها. وفي ذلك أمارة من أمارات رحابة أفق وصدر الشريعة الإسلامية في المناسبات بين المسلمين وغير المسلمين، وتلقين جليل مستمر المدى في كل موقف مماثل أيضا.
والحادث الذي نزلت الآيتان في مناسبته، والأمر بعدم الإرجاع يدلان على كل حال على أن موقف المسلمين صار أقوى من موقفهم أثناء عقد صلح الحديبية، فاقتضت حكمة التنزيل التساهل في مسألة ليس فيها نص صريح. في حين لم يكونوا في تلك الأثناء من القوة ما يكفي لإصرارهم على المساواة في بعض الشروط، وبخاصة في عدم إرجاع من يأتي إليهم من ناحية المشركين مقابل عدم إرجاع هؤلاء من يأتي إليهم من ناحية المسلمين مما كان مثيرا لنفوس بعض المسلمين على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الفتح.
ولقد روى المفسرون ( ١ )٢، روايات عديدة في كيفية الامتحان الذي أمرت الآية الأولى به. منها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحلف المرأة بالله أنها ما خرجت من بغض زوج ولا لالتماس دنيا، وإنما خرجت حبا لله ورسوله. ومنها أنه كان يحلفها بأنها لم تخرج إلا للدين. ومنها أنه كان يطلب منها بيعة بصيغة الآية التالية للآيتين. وهي ( أن لا تشرك بالله شيئا ولا تسرق ولا تزني ولا تقتل أولادها ولا تأتي ببهتان تفتريه بين يديها ورجليها ولا تعصيه في معروف ). وهذه الرواية بخاصة من مرويات البخاري والترمذي في سياق تفسير الآية عن عائشة حيث قالت :( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية ) ( ٢ )٣. ونحن نرجح هذه الرواية ؛ لأنها أوثق سندا وبقرينة ورود الآية التي تحتوي الصيغة بعد الآيتين. ولعلها نزلت معهما.
ولقد انطوى في الآيتين صور عديدة من صور السيرة النبوية في العهد المدني زادتها الروايات جلاء.
( ١ ) من ذلك أن بعض النساء المكيات اللاتي أسلمن ولم يستطعن الهجرة، وظلت المتزوجات منهن في كنف أزواجهم المشركين كن يتحين الفرصة للهجرة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تاركات وطنهن وأهلهن وأزواجهن على ما كان يحف هذا العمل من أخطار ومصاعب. وفي هذا صورة رائعة للمرأة العربية ودورها في الدعوة الإسلامية وما بثه الإسلام فيها من قوة وإخلاص وجرأة وإقدام وتضحية.
( ٢ ) ومن ذلك أن بعض زوجات المهاجرين تخلفن عن أزواجهن محتفظات بشركهن، ومؤثرات أهلهن على أزواجهن، وممن روت الروايات أسماءهن قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة وأم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية زوجتي عمر بن الخطاب وأروى بنت ربيعة طلحة بن عبيد الله ( ١ )٤.
( ٣ ) ومن ذلك أن من المهاجرات من ارتددن وفررن من المدينة ولحقن بأهلهن. وممن ذكرت الروايات أسماءهن أم الحكم بنت أبي سفيان زوجة عياض بن شداد، وبروع بنت عقبة زوجة شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى زوجة عمرو بن عبدود، وهند بنت أبي جهل بن هشام زوجة هشام بن العاص بن وائل ( ٢ )٥.
( ٤ ) ومن ذلك أن بعض المسلمين ظلوا يحتفظون بعقد زوجيتهم بالكافرات اللاتي تخلفن عنهم ولم يسلمن ولم يهاجرن. وممن ذكرت الروايات أسمائهن عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله وزوجاتهم اللاتي ذكرنا أسماءهن قبل قليل فطلقناهن بناء على أمر الله في الآية الأولى ) ( ٣ )٦.
( ٥ ) ومن الصور الطريفة التي رواها الطبري أن زوجة أحد المسلمين فرت إلى مكة وجاءت في هذه الأثناء امرأة من مكة مهاجرة مؤمنة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي ذهبت زوجته وقال للمرأة القادمة : هذا زوج التي ذهبت إلى المشركين أزوجكه ؟ فقالت : يا رسول الله عذر الله زوجة هذا أن تفر منه، لا والله ما لي به حاجة. فدعا رجلا جسيما اسمه البختري فقال لها : هذا ؟ قالت : نعم.
ومما يلحظ أن آية سورة البقرة ( ٢٢١ ) نهت عن نكاح المشركات. فالظاهر أن هذا النهي فهم على أنه بالنسبة للزواج بعد الإسلام، وأنه ليس شاملا للعقود الزوجية السابقة، فاحتفظ المسلمون بزوجاتهم الكافرات إلى أن نزلت هذه الآيات. وفي هذا مشهد من مشاهد تطور التشريع القرآني.
وقد قال المؤولون على ما ذكره الطبري وغيره في جملة : وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا إن المرأة إذا جاءت مؤمنة مهاجرة ووجب أداء صداقها إلى زوجها الكافر أخذ هذا الصداق من المؤمن الذي يتزوجها، وهذا حل حق. غير أن هناك حالة مفروضة، وهي أن لا يتيسر للمرأة زواج والمتبادر أن أداء صداقها يكون على جميع المؤمنين أو على بيت مالهم. ويكون المخاطب بالتنفيذ في هذه الحالة ولي أمر المؤمنين فيجمعه من القادرين من المؤمنين، أو يؤ

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير