يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهم فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم ( ١٠ ) وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون [ الممتحنة : ١٠-١١ ].
شرح المفردات : فامتحنوهن : أي فاختبروهن، بما يغلب به على ظنكم موافقة قلوبهن لألسنتهن في الإيمان، علمتموهن : أي ظننتموهن، إلى الكفار : أي إلى أزواجهن الكفار أجورهن : أي مهورهن، وعصم : وأحدها عصمة، وهي ما يعتصم به من عقد وسبب، والكوافر : واحدتهن كافرة.
المعنى الجملي : الكافر المعاند لا يخلو من أحد أحوال ثلاثة :
( ١ ) أن يستمر على عناده، وإلى مثله أشار بقوله : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم [ الممتحنة : ٤ ] الآية.
( ٢ ) أن يرجى منه أن يترك العناد، وإلى مثله أشار بقوله : عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة [ الممتحنة : ٧ ].
( ٣ ) أن يترك العناد ويستسلم، وإلى ذلك أشار بقوله : إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات الآية.
الإيضاح : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن أي إذا جاءكم أيها المؤمنون النساء اللاتي نطقن بالشهادة ولم يظهر منهن ما يخالف ذلك- مهاجرات من بين الكافر فاختبروا حالهن، وانظروا هل توافق قلوبهن ألسنتهن، أو هنّ منافقات، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للممتحنة :( بالله الذي لا إله إلا هو، ما خرجت من بغض زوج، بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، بالله ما خرجت التماسا لدنيا، بالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله ؟ ). ثم ذكر جملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها ليتبين أن الامتحان يفيد معرفة الظاهر فحسب فقال : الله أعلم بإيمانهن منكم وهو يتولى السرائر، وفي هذا بيان أنه لا سبيل إلى ما تطمئن إليه النفس من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، فإن ذلك مما استأثر الله بعلمه.
فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار أي فإن غلب على ظنكم إيمانهن بالحلف وغيره مما يورث اطمئنان قلوبكم على إسلامهن، فلا تردوهن إلى أزواجهن المشركين.
ثم بين العلة في النهي عن إرجاعهن بقوله : لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن أي لا المؤمنات حل للكفار، ولا الكفار يحلون للمؤمنات.
وآتوهم ما أنفقوا أي وأعطوا أزواجهن مثل ما أنفقوا من المهور. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أمر عليا أن يكتب بالصلح فكتب : باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. اصطلحوا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، تأمن فيه الناس ويكف بعضهم عن بعض على أن من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده إليه، ومن جاء قريشا من محمد لم يرده إليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة وأن لا إسلال ولا إغلال، وأن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبا جندل بن سهيل، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الرجال إلا ردّه في مدة العهد، وإن كان مسلما، ثم جاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أولاهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فقدم أخواها عمار والوليد فكلماه في أمرها ليردها إلى قريش فنزلت الآية، فلم يردها عليه الصلاة والسلام، ثم أنكحها زيد بن حارثة. وعن مقاتل أنه جاءت امرأة تسمى سبيعة بنت الحارث الأسلمية مؤمنة، وكانت تحت صيفي بن الراهب وهو مشرك من أهل مكة فطلب ردّها فأنزل سبحانه الآية فلم يردها وأعطاها ما أنفق، وتزوجها عمر رضي الله عنه.
ومن هذا تعلم أن الآية بيّنت أن العهد الذي أعطى كان في الرجال دون النساء ومن ثم لم يردهن حين جئن مؤمنات.
ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن أي ولا إثم عليكم ولا حرج في نكاح هؤلاء المؤمنات المهاجرات، بشرط أن تتعهدوا بالمهور، وتلتزموا بأدائها. وإنما جاز هذا لأن الإسلام حال بينهن وبين أزواجهن الكفار، فكان من المصلحة أن يكون لهن عائل من المؤمنين يكفل أمر أرزاقهن.
ولا تمسكوا بعصم الكوافر أي إنه لا ينبغي أن يكون علاقة من علاقات الزوجية بين المؤمنين ونسائهم المشركات الباقيات في دار الشرك، فلا يمنع نكاح إحداهن نكاح خامسة أو نكاح أختها ما دامت في العدة، لأنه لا عدة لهن.
واسألوا ما أنفقتم أي واسألوا الكفار مهور نسائكم اللاحقات بهم إذا ارتددن ولحقن بهم.
وليسألوا ما أنفقوا أي وليسألكم الكفار مهور نسائكم المهاجرات إليكم، والمراد أن عليكم أن تؤدوا لهم ذلك.
ذلكم حكم الله يحكم بينكم أي ذلكم الذي ذكر هو حكم الله فاتبعوه، يحكم به بينكم فلا تخالفوه.
والله عليم حيكم فلا يشرع إلا ما تقتضيه الحكمة البالغة.
المعنى الجملي : الكافر المعاند لا يخلو من أحد أحوال ثلاثة :
( ١ ) أن يستمر على عناده، وإلى مثله أشار بقوله : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم [ الممتحنة : ٤ ] الآية.
( ٢ ) أن يرجى منه أن يترك العناد، وإلى مثله أشار بقوله : عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة [ الممتحنة : ٧ ].
( ٣ ) أن يترك العناد ويستسلم، وإلى ذلك أشار بقوله : إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات الآية.
تفسير المراغي
المراغي