مبايعة النبي ﷺ المهاجرات (بيعة النساء)
[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١٢ الى ١٣]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)
الإعراب:
وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ يَفْتَرِينَهُ: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير يَأْتِينَ أو في موضع جر على الوصف ل بِبُهْتانٍ.
كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ: في موضع نصب، لأنه يتعلق ب يَئِسَ وتقديره: يئسوا من بعث أصحاب القبور، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
البلاغة:
وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ: كناية عن اللقيط.
قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ تشبيه مرسل مجمل. وفي الآية ما يسمى رد العجز على الصدر، فقد ختمت السورة بمثل ما بدئت به.
وقوله: كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ فيه وضع الظاهر موضع الضمير، للدلالة على أن الكفر أيأسهم.
المفردات اللغوية:
يُبايِعْنَكَ البيعة: العقد والعهد على التزام الطاعة. وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ أي بوأد البنات. بِبُهْتانٍ أي بولد مفترى ملصق بالزوج كذبا. يَفْتَرِينَهُ الافتراء: الكذب، والمراد يختلقن نسبة الولد إلى الزوج. مَعْرُوفٍ المعروف: كل ما ندب إليه الشرع من
المحسنات، ونهى عنه من المستقبحات. والتقييد بالمعروف مع أن الرسول ﷺ لا يأمر إلا به، تنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق. فَبايِعْهُنَّ أي إذا بايعنك فبايعهن، أي فالتزم لهن بضمان الثواب حال الوفاء بهذه الأشياء. وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ اطلب لهن المغفرة.
قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عامة الكفار، أو اليهود إذ روي أنها نزلت في بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود، ليصيبوا من ثمارهم. قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ لكفرهم بها، أو لعلهم بأنه لا حظ لهم فيها لمعاندة الرسول صلى الله عليه وسلم. كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ من موتاهم أن يبعثوا، أي يرجعوا أحياء.
سبب النزول:
نزول الآية (١٢) :
نزلت يوم الفتح، فإنه ﷺ لما فرغ من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء.
أخرج البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجرن إليه بهذه الآية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ- إلى قوله-: غَفُورٌ رَحِيمٌ فمن أقرت بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد بايعتك» كلاما، ولا، والله ما مسّت يده يد امرأة في المبايعة قط، ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك».
وفي صحيح مسلم عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: «كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يمتحنّ بقول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلقن فقد بايعتكن، ولا والله ما مسّت يد رسول الله ﷺ يد امرأة قطّ، غير أنه بايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله، ما أخذ رسول الله ﷺ كفّ امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد بايعتكنّ كلاما».
وروي أنه ﷺ بايع النساء وبين يديه وأيديهن ثوب، وكان يشترط عليهن.
وروى أحمد عن أميمة بنت رقية التيمية قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن: «ألا نشرك بالله شيئا- حتى بلغ- ولا يعصينك في معروف» فقال: فيما استطعتنّ وأطقتنّ، قلنا الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: إني لا أصافح النساء، وإنما قولي لامرأة واحدة قولي لمائة امرأة» «١».
وزاد أحمد في رواية: «ولم يصافح منا امرأة».
نزول الآية (١٣) :
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن عمر، وزيد بن الحارث يوادّان رجلا من يهود، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الآية.
المناسبة:
روي أن النبي ﷺ لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر أسفل منه يبايع النساء، بأمر رسول الله ﷺ ويبلغهن عنه.
التفسير والبيان:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً.. الآية: أي إذا جاءك المؤمنات بالله ورسوله يعاهدنك ويقصدن مبايعتك على الإسلام والطاعة، فبايعهن على ألا يشركن بالله شيئا من وثن
أو حجر أو ملك أو بشر، ولا يسرقن من أموال الناس شيئا، ولا يزنين (والزنى: الاعتداء على الأعراض) ولا يقتلن أولادهن: أي ولا يئدن البنات، وهو ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات، ولا يلحقن بأزواجهن أولادا ليسوا لهم، قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها: هذا ولدي منك.
فكان هذا من البهتان والافتراء.
وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ: وهو كل أمر وافق طاعة لله، أي كل ما أمر به الشرع، أو نهى عنه، كالنهي عن النّوح، وتمزيق الثياب، وجزّ الشعر، وشق الجيب، وخمش الوجوه، والدعاء بالويل، والخلوة بالأجنبي غير المحرم، فبايعهن، واطلب من الله المغفرة لهن بعد هذه المبايعة منك، إن الله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم، فلا يعذبهم بما اقترفوه قبل الإسلام، ويجزل لهم الثواب إذا وفّين بهذا العهد الذي حدث في فتح مكة.
روي أن النبي ﷺ لما قال: أبا يعكن على ألا تشركن بالله شيئا، قالت هند بنت عتبة، وهي منتقبة، خوفا من النبي ﷺ أن يعرفها، لما صنعته بحمزة يوم أحد: والله ما عبدنا الأصنام، وإنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال، تبايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط، فقال صلى الله عليه وسلم:
«ولا تسرقن» فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصيب من ماله قوتنا؟ فقال أبو سفيان: هو لك حلال، فضحك النبي ﷺ وعرفها، وقال:
«أنت هند؟» فقالت: عفا الله عما سلف.
فقال: «ولا تزنين» فقالت هند: أو تزني الحرة؟ فقال: «ولا تقتلن أولادكن» أي لا تئدن البنات ولا تسقطن الأجنة، فقالت هند: ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا يوم بدر، فأنتم وهم أبصر أو أعلم. فضحك عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى استلقى، وكان ابنها البكر حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: «ولا تأتين ببهتان تفترينه» وهو أن تلصق بزوجها ما ليس منه، فقالت هند: والله، إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: «ولا تعصينني في معروف» فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا، وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء.
وتحريم الزنى عام،
قال صلى الله عليه وسلم: «اليدان تزنيان، والعينان تزنيان، والرّجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك أو يكذّبه» «١».
وأكد النبي ﷺ تحريم النواح،
فقال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» «٢».
وعن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: «جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ عليها: ألا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين... » الآية، قال: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقرّي أيتها المرأة، فو الله ما بايعنا إلا على هذا، قالت:
نعم، فبايعها بالآية».
ولم تقتصر بنود بيعة النساء عليهن، وإنما بويع بها الرجال أيضا.
روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي ﷺ فقال:
«أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا» قرأ آية النساء، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب، فهو كفارة
رواه مسلم عن أبي هرير بلفظ: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» وأخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس بلفظ آخر.
(٢) رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود.
له، ومن أصاب من ذلك شيئا، فستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له منها».
وروى محمد بن إسحاق وابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت قال: «كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، وقال: فإن وفيتم فلكم الجنة».
ثم أكد تعالى النهي عن موالاة الكفار كما بدأ السورة، فقال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ أي يا أيها المؤمنون برسالة الإسلام لا تتخذوا اليهود والنصارى وسائر الكفار ممن غضب الله عليهم ولعنهم واستحقوا الطرد والإبعاد من رحمته، أولياء وأنصارا وأصدقاء، وقد يئسوا من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله عز وجل، وأصبحوا لا يوقنون بالآخرة بسبب كفرهم وعنادهم، بالرغم من قيام الأدلة والبينات والمعجزات على الإيمان بالله واليوم الآخر، كيأسهم من بعث موتاهم، لاعتقادهم عدم البعث.
قال ابن عباس: يريد حاطب بن أبي بلتعة يقول: لا تتولوا اليهود والمشركين، وذلك لأن جمعا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين لحاجتهم إليهم، فنهوا عن ذلك، ويئسوا من الآخرة. يعني أن اليهود كذبت محمدا صلى الله عليه وسلم، وهم يعرفون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم أفسدوا آخرتهم بتكذيبهم إياه، فهم يئسوا من الآخرة، كما يئس الكفار من أصحاب القبور، أي كما يئس الكفار الذين لا يؤمنون بالبعث من موتاهم أن يرجعوا أحياء. وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى على تحريم الشرك بالله، والسرقة، والزنى، وقتل الأولاد، أي وأد البنات الذي كان في الجاهلية، وإلحاق الأولاد اللقطاء بغير آبائهم، وعصيان شرع الله فيما أمر ونهى.
وقد صرح في الآية بأركان النهي في الدين وهي ستة، ولم يذكر أركان الأمر، وهي ستة أيضا: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة، لأن النهي دائم في كل الأزمان وفي كل الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد وأهم وأخطر. ولم تقتصر البيعة على هذه الأمور على النساء فقط، وإنما بويع عليها وفد من الأنصار في بيعة العقبة الأولى، فأصبح الحكم عاما للرجال والنساء.
وأكدت الآية الثانية تحريم موالاة الكفار وتزويدهم بأخبار المسلمين، والإسرار إليهم، واتخاذهم أصدقاء وأخلاء، لأنهم لا يؤتمنون على مصالح المسلمين، بل يخونونهم ويفيدون من ذلك في قتالهم ومعاداتهم، ولأنهم قوم كفروا بالآخرة ولم يؤمنوا بالبعث والحساب، ويئسوا من ثواب الآخرة، كما يئس الكفار الأحياء من رجوع موتاهم أصحاب القبور إلى الدنيا.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الصفمدنيّة، وهي أربع عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الصف، لقوله تعالى في مطلعها: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا، كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [٤].
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجهين:
١- نهت السورة السابقة في مطلعها وأثنائها وختامها عن موالاة الكفار من دون المؤمنين، وأمرت هذه السورة بوحدة الأمة ووقوفها صفا واحدا تجاه الأعداء.
٢- ذكرت السورة المتقدمة أحكام العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم داخل الدولة الإسلامية وخارجها، وقت السلم، وحرضت هذه السورة على الجهاد ورغبت فيه بسبب العدوان، وأنّبت التاركين للقتال وشبهتهم ببني إسرائيل الذين عصوا موسى عليه السلام حين ندبهم للقتال، ثم عصوا عيسى عليه السلام حين أمرهم باتباعه بعد إتيانه بالبينات والمعجزات، واتباع النبي محمد ﷺ الذي بشر به. صفحة رقم 157
ما اشتملت عليه السورة:
إن محور السورة وموضوعها هو القتال وجهاد الأعداء، والتضحية في سبيل الله تعالى، وبيان ثواب المجاهدين العظيم، وذلك من الأحكام التشريعية التي تعنى بها السور المدنية عادة.
وقد بدئت السورة بتسبيح الله سبحانه وتنزيهه وتمجيده تنبيها لعظمة منزلها، وبيان خطورة ما ترشد إليه من وجوب الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية، ووقوفها صفا واحدا في قتال الأعداء، لرفع منار الحق، وإعلاء كلمة الله تعالى، ثم لوم الذين يخالفون بعملهم أقوالهم.
ثم حذرت من الفرقة والعصيان والمخالفة شأن بني إسرائيل الذين عصوا أمر موسى وعيسى عليهما السلام حينما أمرهم موسى بقتال الجبارين، وأمرهم عيسى باتباعه واتباع الرسول أحمد ﷺ الذي يأتي بعده وتلك بشارة به: وَإِذْ قالَ مُوسى.. وَإِذْ قالَ عِيسَى.. الآية، ثم ضربت المثل للمشركين بمن يريد إطفاء نور الله بأفواههم: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا...
وأردفت ذلك بالبشارة والإخبار بنصرة الإسلام ودعوته وتفوقه وغلبته على سائر الأديان، فهو دين الهدى والحق.
ثم رسمت طريق الهدى، وأوضحت منهاج السعادة الكبرى وسبيل النجاة من العذاب الأخروي بإعلان الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، وبيان ثمرة الجهاد وهو النصر في الدنيا وثواب المجاهدين في الآخرة، وأكدت ذلك بالأمر بنصرة دين الله عز وجل، كمناصرة الحواريين دين عيسى عليه السلام: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ.. الآيات، وبالدعوة إلى نصرة دين الله يتناسب ختام السورة مع بدايتها.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي