ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷ

القيامة، إن عصي الله عز وجل من أجل ذلك، والله بصير بأعمال عباده، ويجازيهم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
والله سبحانه يفرق أو يفصل بين الأقارب وغيرهم يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل الكافرين النار.
التأسي بإبراهيم عليه السلام والذين آمنوا معه
[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ٤ الى ٧]
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)
الإعراب:
إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ بدل بعض من كل في قوله: تُلْقُونَ.
بُرَآؤُا جمع بريء، نحو شريف وشرفاء، وظريف وظرفاء، وحذفت الهمزة الأولى تخفيفا. وقرئ برآء بكسر الباء، جمع بريء أيضا كشراف وظراف، وقرئ أيضا بفتح الباء على أنه مصدر دال على الجمع، ولفظه يصلح للواحد والجمع.

صفحة رقم 125

إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ منصوب على الاستثناء من قوله تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ أي كائنة في سنته وأقواله، إلا قوله لأبيه: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ. لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ بدل اشتمال من الكاف والميم في لَكُمْ بإعادة الجار.
البلاغة:
رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ تقديم ما حقه التأخير، وهو الجار والمجرور على ما بعده لإفادة الحصر.
الْحَكِيمُ الْحَمِيدُ قَدِيرٌ غَفُورٌ رَحِيمٌ صيغة مبالغة.
المفردات اللغوية:
أُسْوَةٌ قدوة فِي إِبْراهِيمَ أي بإبراهيم قولا وفعلا. وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين.
بُرَآؤُا أبرياء جمع بريء، كظريف وظرفاء، أي متبرئون مما تعملون، فلا نعتد بكم ولا بشأن آلهتكم. وَمِمَّا تَعْبُدُونَ من الأصنام والكواكب وغيرها. وَبَدا ظهر. الْعَداوَةُ ضد الألفة والصداقة. وَالْبَغْضاءُ البغض والكراهة ضد المحبة. إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ مستثنى من قوله: أُسْوَةٌ فليس لكم التأسي به في ذلك، بأن تستغفروا للكفار. وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي لا أملك من عذابه وثوابه شيئا، وقوله: مِنْ شَيْءٍ كنى به عن أنه لا يملك له غير الاستغفار، وكان استغفاره له قبل أن يتبين له أنه عدو الله، كما ذكر في سورة براءة.
تَوَكَّلْنا فوضنا أمرنا إليك. أَنَبْنا رجعنا وتبنا. الْمَصِيرُ المرجع والمآب.
فِتْنَةً مفتونين معذبين بأن تسلطهم علينا، فيفتنونا بعذاب لا نتحمله. وَاغْفِرْ لَنا ما فرطنا من ذنب. الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ القوي الغالب في ملكه، الذي يحسن التدبير في صنعه.
لَقَدْ كانَ لَكُمْ أيها المؤمنون أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو جواب قسم مقدر. أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قدوة طيبة. وكرر لمزيد الحث على التأسي بإبراهيم. لِمَنْ كانَ بدل من قوله. لَكُمْ قال البيضاوي: فإنه يدل على أنه لا ينبغي لمؤمن أن يترك التأسي بهم، وإن تركه مؤذن بسوء العقيدة، ولذلك عقبه بقوله: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ أي ومن يعرض عن التأسي بإبراهيم ومن آمن معه ويعص النصيحة، بأن يوالي الكفار، فإن الله هو الغني عن خلقه، المحمود على فعله، الحامد لأهل طاعته، وهذا وعيد يوعد به الكفرة. يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي يؤمل ثواب الله، ويخاف العقاب، ويخشى أهوال الآخرة.
عادَيْتُمْ من الأقارب المشركين وغيرهم من كفار مكة وغيرها، وتبرأتم منهم طاعة الله تعالى. مَوَدَّةً محبة وصلة، بأن يهديهم للإيمان، فيصيروا لكم أولياء وأصدقاء وأنصارا، وهذا

صفحة رقم 126

وعد من الله، أنجزه بالفعل، لأنه أسلم أكثرهم وصاروا والمؤمنين عونا وسندا وأولياء. وَاللَّهُ قَدِيرٌ قادر على ذلك، وقد فعله بعد فتح مكة. وَاللَّهُ غَفُورٌ لما فرط منكم في موالاتهم من نقل أخبار وغيره. رَحِيمٌ بكم إذ لم يعاجلكم بالعقوبة.
سبب النزول: نزول الآية (٧) :
عَسَى اللَّهُ: قال المفسرون: يقول الله تعالى للمؤمنين: لقد كان لكم في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء اقتداء بهم في معاداة ذوي قراباتهم من المشركين، فلما نزلت هذه الآية عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين في الله، وأظهروا لهم العداوة والبراءة، وعلم الله تعالى شدة وجد المؤمنين بذلك، فأنزل الله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً
ثم فعل ذلك بأن أسلم كثير منهم، وصاروا لهم أولياء وإخوانا، وخالطوهم وناكحوهم، وتزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب. فلان لهم أبو سفيان وبلغه ذلك، فقال: ذاك الفحل لا يقدع أنفه «١»، أي لا يضرب أنفه، وذلك إذا كان كريما.
المناسبة:
بعد النهي عن موالاة الكفار والإنكار على من والاهم وتوثيق عرى الإخاء ورابطة الإيمان، أمر الله تعالى بالتأسي بإبراهيم ومن آمن معه في التبرؤ من الكفار، وذكر أن وجوب البغض في الله، وإن كان أخا أو أبا أسوة بإبراهيم عليه السلام وأصحابه، حيث جاهروا قومهم بالعداوة، وصرحوا بأن سبب العداوة ليس إلا الكفر بالله، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة، والمناوأة مصافاة،

(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٢٤١

صفحة رقم 127

والمقت محبة. ثم استثنى تعالى من التأسي بأقوال إبراهيم هذا القول الذي هو الاستغفار لأبيه عن موعدة منه قبل أن يعلم أنه عدو الله.
التفسير والبيان:
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ، وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ يخاطب الله تعالى المؤمنين الذين أمرهم بمجانبة الكافرين والتبري منهم، بأنه قد كانت لكم قدوة طيبة حميدة تقتدون بها في إبراهيم خليل الرحمن أبي الأنبياء والذين آمنوا معه من أتباعه حين قالوا لقومهم: إنا بريئون منكم، لكفركم بالله، وبريئون من كل ما تعبدون من غير الله من الأصنام والأنداد، فقد جحدنا بما آمنتم به من الأوثان، أو بدينكم، أو بأفعالكم، فإن تلك الأوثان لا تنفع شيئا، فهي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر.
والمقصود إفهام من والى الكافرين وهو حاطب، وكأنه تعالى يقول: أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم، فتتبرأ من أهلك، كما تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه؟! وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم، فقد ظهرت وشرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم، ما دمتم على كفركم، فنحن أبدا نتبرأ منكم ونبغضكم، حتى تظهروا الإيمان بالله وحده، وتوحدوا الله، فتعبدوه وحده لا شريك له، وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد، فإذا فعلتم ذلك، صارت تلك العداوة موالاة، والبغضاء محبة.
ثم استثنى الله تعالى شيئا لا يتأسى به بإبراهيم، فقال:
إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي وقد كانت لكم أسوة حسنة في كل مقالات إبراهيم إلا قوله لأبيه

صفحة رقم 128

الكافر: لأستغفرن لك، وما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن أشركت به، فلا تأسوا به في هذا القول، فتستغفروا للمشركين، فإن استغفاره إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبيّن له أنه عدو لله، تبرأ منه. والخلاصة: ليس لكم أسوة في الاستغفار للمشركين.
وقد كان بعض المؤمنين يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك، ويستغفرون لهم، ويقولون: إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه، فأنزل الله عز وجل: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ. وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، تَبَرَّأَ مِنْهُ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة ٩/ ١١٣- ١١٤].
ثم أخبر الله تعالى عن اعتصام إبراهيم والمؤمنين معه بالله حين فارقوا قومهم وتبرؤوا منهم فقال:
رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي اعتمدنا عليك يا رب في جميع الأمور، وفوضنا أمورنا إليك، ورجعنا إليك بالتوبة من كل ذنب، وإليك المرجع والمآب والمعاد في الدار الآخرة.
وهذا من دعاء إبراهيم وأصحابه، ومما فيه أسوة حسنة يقتدى به فيها، ومن تتمة دعاء قوله:
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي يا ربنا لا تجعلنا مفتونين معذبين بأيدي الكفرة، واستر لنا ذنوبنا عن غيرك، واعف عنها فيما بيننا وبينك، فإنك أنت القوي الغالب القاهر، الذي لا يغالب، ولا يضام من لاذ بجنابك، وذو الحكمة البالغة في أقوالك وأفعالك، وشرعك وقدرك، وتدبير خلقك، وفعل ما فيه صلاحهم. قال

صفحة رقم 129

قتادة: لا تظهرهم علينا، فيفتنونا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه. وقال مجاهد: معناه: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا.
ثم أكد الله تعالى الحث على التأسي بإبراهيم والمؤمنين معه، فقال:
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ أي لقد كان لكم في إبراهيم والذين معه قدوة حسنة، وهذه الأسوة إنما تكون لمن يطمع في الخير والثواب من الله في الدنيا والآخرة، ويتأمل النجاة في اليوم الآخر، وهذا تهييج إلى الإيمان لكل مؤمن بالله وبالمعاد. ومن يعرض عما أمر الله تعالى به، ويوال أعداء الله، ويوادهم، فإنه لا يضر إلا نفسه، فإن الله هو الغني عن خلقه، الذي قد كمل في غناه، المحمود من خلقه في جميع أقواله وأفعاله، لا إله غيره، ولا رب سواه. والحميد: إما بمعنى الحامد أي يحمد الخلق ويشكرهم حيث يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال، أو بمعنى المحمود، أي الذي يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم.
ونظير الآية قوله تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم ١٤/ ٨].
ثم أخبر الله عن أموره العجيبة في تحول الكافرين إلى مؤمنين، فقال:
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً، وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي ربما أسلم أعداؤكم، وصاروا من أهل دينكم، فتحولت العداوة إلى مودة، والبغضاء إلى محبة، والفرقة والمخالفة إلى ألفة، والله قادر على كل شيء، وغفور لمن أخطأ، فوادّهم، رحيم بهم فلم يعذبهم بعد التوبة، ويقبلهم ليدخلهم في مغفرته ورحمته. وكلمة عَسَى لرجاء حصول ما بعدها، لكن إذا صدرت من الله، كان ما بعدها واجب الوقوع.

صفحة رقم 130

وقد أسلم أكثر العرب بعد فتح مكة، وحسن إسلامهم، وانعقدت مودة قوية بينهم وبين من تقدمهم في الإسلام، وجاهدوا وقاموا بالأفعال المقرّبة إلى الله تعالى، وتزوّج النبي ﷺ بأم حبيبة بنت أبي سفيان، وترك أبو سفيان بعد إسلامه يوم الفتح ما كان عليه من العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: أوّل من قاتل أهل الردة على إقامة دين الله أبو سفيان بن حرب، فيه نزلت هذه الآية: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ....
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- جعل الله إبراهيم الخليل عليه السلام أسوة حسنة وقدوة عالية للمؤمنين في التبرؤ من الكفار، فعلى من آمن بالله ورسوله الاقتداء به إلا في استغفاره لأبيه، فلا يتأسون به في الاستغفار للمشركين، فإن استغفاره كان عن موعدة منه له.
٢- صرح إبراهيم ومن آمن معه بسبب البراءة من الكفار وهو كفرهم بالله وإيمانهم بالأوثان، وستظل العداوة والبغضاء قائمة في القلوب على الدوام بين المؤمنين وغيرهم ما دام هؤلاء الكفار على كفرهم، حتى يعلنوا إيمانهم بالله وحده لا شريك له، فحينئذ تنقلب المعاداة موالاة.
٣- قوله تعالى: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ يدل على تفضيل نبينا عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء، لأن الله حين أمرنا بالاقتداء به أمرنا أمرا مطلقا في قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر ٥٩/ ٧] وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام، استثنى بعض أفعاله.

صفحة رقم 131

٤- علّم الله المؤمنين أيضا أن يقولوا ما كان يدعو به إبراهيم عليه السلام ومن معه: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي تبرؤوا من الكفار وتوكلوا على الله، وقولوا: اعتمدنا عليك يا رب، ورجعنا إليك تائبين، ولك الرجوع في الآخرة، ولا تظهر أو لا تسلط عدونا علينا، فيظنوا أنهم على حق، فيفتتنوا بذلك، واغفر لنا ما فرط من الذنوب، فإنك القوي الغالب الذي لا يغالب، الحكيم في تدبير خلقه وتحقيق مصالحهم.
٥- أكد الله تعالى الحث على التأسي بإبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء، مرة أخرى في الآيات، في التبرؤ من الكفار. ثم حذر من المخالفة، وهدد المعرضين المستكبرين عن حكم الله، فذكر أن من يتول عن الإسلام وقبول هذه المواعظ، فإنه لن يضر إلا نفسه، والله غني عن خلقه، لم يتعبدهم لحاجته إليهم، محمود في نفسه وصفاته ومن خلقه.
٦- كان نزول هذه الآيات سببا في معاداة المسلمين أقرباءهم من المشركين، ولما علم الله شدة وجد المسلمين وحرجهم في ذلك، نزل قوله تعالى كما بينا:
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً أي بأن يسلم الكافر، وقد أسلم قوم منهم بعد فتح مكة، وخالطهم المسلمون، كأبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام. وتزوج النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان التي كانت متزوجة بعبد الله بن جحش، وكانت هي وزوجها من مهاجرة الحبشة، إلا أن زوجها تنصر، ومات على النصرانية، وبقيت هي على دينها، فبعث النبي ﷺ إلى النجاشي، فخطبها، وأمهرها النجاشي من عنده أربع مائة دينار.
وفي الحديث: «أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون

صفحة رقم 132

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية