الآية ٦ وقوله تعالى : لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم /٥٦٤ –أ الآخر يعني لقد كانت لكم في إبراهيم والذين معه قدوة حسنة تحسنون بها إذا اقتديتم بهم، وأطعتموهم.
وقوله تعالى : لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر يحتمل معنيين :
أحدهما : أي لمن كان يرجو ثواب الله تعالى.
والثاني [ أي لمن ]١ يؤمن بالبعث، وذلك أن الله تعالى وصف أمر البعث في كتابه بصفات مختلفة :
مرة أضافه إلى نفسه بقوله : فمن كان يرجوا لقاء ربه [ الكهف : ١١٠ ] وكان المعنى منه البعث، ومرة وصفه بصفة أخرى وإن كان المراد الثواب، ففيه أن الراجي في الحقيقة، هو الطالب لما يرجوه بالأسباب التي يرجو الوصول بها إلى ما دعي، وأرجي. والخائف في الحقيقة، هو الهارب عما حذر، والمنتهى عما نهي عنه، وحظر.
فإن من اعتمد على مجرد الرجاء والخوف دون التمسك بسببها فهو متمنّ على الله تعالى :
والدليل على تأييد ما نقول قوله عز وجل : إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله [ البقرة : ٢١٨ ] أفلا تراه كيف حقق معنى الرجاء بالمجاهدة في سبيل الله والعمل بطاعته، والله اعلم.
وإن كان [ معتمدا ] ٢على البعث فكذلك أيضا لأنه إذا هرب عما نهي عنه، وطلب لما أمر به، فقد تبين أن يوالي من يقضي موالاته إلى ثواب الله ورحمته وأنه يعادي من يقضي عاقبة موالاته إلى نقمة الله وعذابه.
ومعلوم أنه لا يفعل ذلك إلا من يؤمن بالبعث فإنما يوالي من رجا منه منفعة الدنيا، ويهرب عمن يضره في هذه الدنيا، والله اعلم.
وقوله تعالى : ومن يتول يعني من يتول عن طاعة الله في ما أمره من الاقتداء بهم فإن الله هو الغني الحميد يعني الغني عن طاعة الخلق ليعلم أنه ٣ ما أمرهم به لم يأمرهم لحاجة له في طاعتهم أو لمنفعة ترجع إليه، بل هو الغني عن كل ذلك. وإنما أمرهم لحاجتهم إلى ذلك ولما علم أن منافع طاعتهم ترجع إليهم خاصة.
وقوله تعالى : الحميد له معنيان. . . معنى الحامد ومعنى المحمود.
فإن كان المراد منه المحمود ففيه أن الله تعالى يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم.
وإن كان المراد الحامد فمعناه أن الله يحمد الخلق، ويشكرهم حين ٤ يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال، أو يثني عليهم بأعمالهم، فهو حميد من هذين المعنيين.
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: أن.
٤ في الأصل و م: حتى..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم