ولما أمر الله بعداوة الكفرة، عادى المؤمنون أقربائهم المشركين، وشددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم فعلم تعالى شدة وجد المؤمنين بذلك، فأنزل :
عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .
يقول الحق جلّ جلاله : عسى اللهُ أن يجعلَ بينكم وبين الذين عادَيْتم منهم ؛ من أقاربكم المشركين، مودةً بأن يُوافقوكم في الدين. وَعَدهم بذلك لما رأى منهم من التصلُّب في الدين، والتشديد في معاداة أقربائهم، تطييباً لقلوبهم، ولقد أنجز وَعْدَه الكريم، فأسْلَم كثير منهم يوم فتح مكة، فتصافوا، وتوادوا، وصاروا أولياء وإخواناً، وخالَطوهم وناكَحوهم. و " عسى " من الله واجبة الوقوع. واللهُ قديرٌ أي : مبالغ في القدرة على تغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة، واللهُ غفور رحيم ، فيغفر لمَن أسلم من المؤمنين ويرحمهم، أو : غفور لما فَرَط منكم من مولاتهم قبلُ، وما بقي في قلوبكم من ميل الطبع إلى الرحم بعدُ، رحيم لمَن لم تبقَ فيه بقية.
الإشارة : عسى الله أن يجعل بينكم وبين نفوسكم، التي عاديتموها وخالفتموها، وقطعتم مواد هواها، مودةً، حين تتهذّب وتتأدّب وترتاض بالمجاهدة، فالواجب حينئذ البرور بها، والإحسان إليها، لأنها انقلبت روحانية، تصطاد بها العلوم اللدنية، والمعارف الربانية، وفيها يقول شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان المجذوب رضي الله عنه :
سايس من النفس جهدك *** صبّح ومس عليها
لعلها تدخل في يدك *** تعود تصطاد بها
فالآية تسلية وترجية لأهل المجاهدة من السائرين دون الواصلين ؛ فإنّ المجاهدة لا تكون إلاّ قبل المشاهدة، أو : تكون تسلية لهم عند مقاطعة أقاربهم وعشائرهم، حين فرُّوا عنهم لله، بأن يهديهم الله، حتى يوافقوهم على طريقهم. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي