قوله تعالى: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
إن اللَّه أمر المؤمنين بمعاداة الكفرة ومنابذتهم وترك موالاتهم ما داموا كفارا، ثم وعد أن يجعل بيننا وبينهم مودة إذا آمنوا؛ فكان في هذا أعظم الدليل على أن الخلق عند اللَّه - تعالى - في كل حال على ما هم عليه في أحوالهم وأمورهم.
وقال بعض الجهال: إنه من يؤمن في وقت من الأوقات؛ فهو عند اللَّه مؤمن في حال كفره، وهذا خلاف ما وصف اللَّه - تعالى - نفسه في هذه الآية، واللَّه أعلم.
ثم المعتزلة قد خالفوا هذه الآيات وعاندوها على قولهم؛ وذلك أن اللَّه - تعالى - قال: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)، ومن قولهم: إن من كان على خلاف مذهبهم فهو عدو لهم، ولا شك أنهم يوالونه ويصافونه، وقد نهى اللَّه - تعالى - عن ذلك فهذا أحد الخلافين.
والثاني: أن اللَّه - تعالى - وعد أن يجعل بيننا وبينهم مودة، ومن قولهم: إنه لا يقدر على شيء من أفعال العباد فكأن اللَّه - تعالى - على قولهم وعد ما لا يقدر عليه، وهذا لا يليق بأسفه خلق اللَّه؛ فكيف برب العالمين؟! فثبت أنهم عاندوا الآيات، والله أعلم.
وخلاف ثالث: أن اللَّه - سبحانه وتعالى - وصف نفسه بالقدرة، (وَاللَّهُ قَدِيرٌ)، ومن قولهم: إنه ليس بقدير على خلق أفعال الخلق؛ فأي خلاف أشهر من هذا وأظهر؟! والله الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨).
لا يحتمل أن يكون النهي في الإقساط؛ لأن الإقساط هو العدل، وليس ينهى عن العدل إلى ما كان وليا أو عدوا؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا)، فقد أخبر أنه لا يحل له ترك العدل لمكان العداوة، وإذا كان كذلك ثبت المراد من هذا النهي وغيره، وهو قوله: (أَنْ تَبَرُّوهُمْ).
ثم الذي لم ينه عنه خلاف ما نهى في الظاهر؛ لأنه قال: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ)، وقال فيما نهى (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ)، ومعلوا أنه قد يجوز أن يبر من لا يجوز أن يتولاه؛ ألا ترى إلى قوله: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)؟! ثم نهى عن تولي الكفار بقوله: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)، ولكنه لما جاز أن يجتمع في نفس واحدة البر وترك التولي؛ فكذلك جاز أن يؤمر بالبر بمن ينهى عن التولي معه، واللَّه أعلم.
ثم قوله - تعالى -: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) يحتمل أن يكون المراد منه لا ينهاكم، بل يأمركم.
ويحتمل أن يكون معناه: يرخص لكم؛ كقوله: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)، ومعناه: بل خسرت، وإن كان قد يجوز أن يكون التجارة إذا لم تربح لا تخسر؛ فكذلك قوله - تعالى -: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ)، بل يأمركم أن تبروهم.
ويحتمل أن يكون المراد: بل يرخص لكم أن تبروهم، واللَّه أعلم.
ثم اختلفوا فيمن أمر ببرهم ونهى عن توليهم:
فقَالَ بَعْضُهُمْ: هم المستضعفون من أهل مكة الذين آمنوا في السر وخشوا إظهاره من المشركين، فأمر اللَّه - تعالى - المؤمنين بالمدينة أن يبروهم بالكتب إليهم؛ ليحتالوا في انقياد أنفسهم؛ لأن المشركين من أهل مكة إذا علموا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ظهر لقتالهم كان يجوز أن يخشى على أُولَئِكَ المؤمنين المستضعفين؛ فأمر هَؤُلَاءِ أن يبروهم بالكتاب إليهم ليتأهبوا في أنفسهم ويحتالوا؛ لما يخشى عليهم من المشركين، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا في الذين كان بينهم وبين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عهد وذمة؛ فأمر المؤمنين أن يبروا أُولَئِكَ في إيفاء عهودهم إلى مدتهم، ونهاهم عن أن يتولوا من قاتلهم ونقض عهودهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: في النساء والولدان من المشركين: أمر المؤمنين أن يبروهم بترك القتال، وألا يتولوا من قاتلهم من جملة الرجال من المشركين من الرجال، بل يقاتلوهم.
ثم قال: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
أي: ومن يقولهم في الاعتقاد فأولئك هم الظالمون في حق الاعتقاد.
أو من يتولهم في الأفعال فأُولَئِكَ هم الظالمون في حق الأفعال، كما وصفنا في قوله: (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ).
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم