قوله : كَبُرَ مَقْتَاً . فيه أوجه١ :
أحدها : أن يكون من باب :«نعم وبئس »، فيكون في «كَبُر » ضمير مبهم مفسر بالنكرة بعده، و«أن تقُولُوا » هو المخصوص بالذم، فيجيء فيه الخلاف المشهور : هل رفعه بالابتداء وخبره الجملة مقدمه عليه ؟ أو خبره محذوف، أو هو خبر مبتدأ محذوف، كما تقدم تحريره ؟.
وهذه قاعدة مطردة : كل فعل يجوز التعجّب منه، يجوز أن يبنى على «فَعُل » - بضم العين - ويجري مجرى «نعم وبئس » في جميع الأحكام.
والثاني : أنه من أمثلة التعجّب.
وقد عده ابن عصفور في «التعجب » المبوَّب له في النحو، فقال :«صيغة : ما أفْعَلَهُ، وأفْعِلْ به، ولَفَعُل، نحو : لرمُو الرجل ».
وإليه نحا الزمخشري٢ فقال : هذا من أفصح كلام وأبلغه في معناه، قصد في «كَبُر » : التعجب من غير لفظه ؛ كقوله :[ الطويل ]
٤٧٦٢ -. . . *** غَلَتْ نَابٌ كُلَيْبٌ بَواؤهَا٣
ثم قال : وأسند إلى :«أن تقولوا »، ونصب :«مقتاً »، على تفسيره، دلالة على أن قوله : مَا لاَ تَفْعَلُون : مقت خالص لا شوب فيه.
الثالث : أنَّ «كَبُرَ » ليس للتعجب ولا للذم، بل هو مسند إلى «أن تقولوا » و«مقتاً » : تمييز محول من الفاعلية والأصل : كبر مقتاً أن تقولوا أي : مقت قولكم.
ويجوز أن يكون الفاعل مضمراً عائداً على المصدر المفهوم من قوله :«لِمَ تَقُولُونَ » أي :«كبر أي القول مقتاً »، و«أن تقولوا » على هذا إما بدل من ذلك الضمير، أو خبر مبتدأ محذوف، أي : هو أن تقولوا٤.
قال القرطبي : و«مقتاً » نصب بالتمييز، المعنى : كبر قولهم ما لا تفعلون مقتاً.
وقيل : هو حال، والمقت والمقاتة : مصدران، يقال : رجل مقيت وممقوت إذا لم يحبّه الناس٥.
فصل :
قال القرطبيُّ : قد يحتجّ بهذه الآية في وجوب الوفاء في اللجاج والغضب على أحد قولي الشافعي٦.
٢ ينظر: الكشاف ٤/٥٢٣..
٣ ينظر الكشاف ٣/٨٨، ٩٧، وشرح شواهد ص ٥٦١، والبحر المحيط ٨/٢٥٨..
٤ ينظر: الدر المصون ٦/٣١٠..
٥ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٥٣..
٦ السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود