كَبُرَ مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ، هو بيان لغاية قُبح ما فعلوا، وفرط سماحته، و " كَبُرَ " جارية مجرى نعم، بزيادة معنى التعجُّب، ومعنى التعجُّب : تعظيم الأمر في قلوب السامعين ؛ لأنّ التعجُّب لا يكون إلاّ مِن شيءٍ خارج عن نظائره، وفي " كَبُرَ " ضمير مبهَم مفسَّر بالنكرة بعده، و أن تقولوا هو المخصوص بالذم، وقيل : قصد فيه التعجُّب من غير لفظه، وأُسند إلى " أن تقولوا "، ونصب " مقتاً " على تفسيره، دلالةً على أنّ قولهم ما لا يفعلون مقتٌ خالص لا شوب فيه، كأنه قيل : ما أكبر مقتاً قولهم بلا عمل.
ويقال : لم يتوعَّد على زَلَّةٍ بمثْلِ ما توعَّد على هذا، بقوله : كَبُرَ مقتًا عند الله . هـ. ولذا فرّ كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير، وآثروا السكوت، كما قال بعضهم :
قال أبو زيد الثعالبي : وهذا إن وَجد مَن يكفيه ويقوم عنه في الوعظ، وإلاّ فلا ينبغي السكوت. قال الباجي في سنن الصالحين، عن الأصمعي : بلغني أنَّ بعض الحُكماء كان يقول : إني لأعظكم، وإني لكبير الذنوب، ولو أنَّ أحداً لا يعظ أخاه حتى يُحْكِم أمرَ نفسه لتُرك الأمر بالخير، واقتُصر على الشر، ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكير مِن النسيان. وقال أبو حازم : إني لأعظ الناسَ، وما أنا بموضع الوعظ، ولكن أُريد به نفسي. هـ. قلت : وكان شيخ شيوخنا سيدي على الجمل العمراني رضي الله عنه يقول حين يُذَكِّر : نحْن ما ننبَحُ إلاّ على نفوسنا. هـ. لو كان ينفعني وعظي وعظتُكم أنا الغريق فما خوفي مِن البلل
ثم قال : وقال الحسن لِمطرف : عِظ أصحابك، فقال : أخاف أنْ أقولَ ما لا أفعل، فقال : يرحمك الله، وأيّنا يفعل ما يقول، ودّ الشيطانُ لو ظفر منكم بهذه، فلم يأمر أحدٌ منكم بمعروف ولم ينهَ عن منكر. هـ. وفي حديث الجامع :" مُروا بالمعروف وإنْ لم تَفعلُوه، وانْهَوْا عن المنكرِ وإن لم تَتجنبُوه " ١، وقال الغزالي : مَن ترك العمل خوف الآفة والرياء، فإنَّ ذلك منتهى بغية الشيطان منه، إذ المراد منه ألاَّ يفوته الإخلاص، ومهما ترك العمل فقد ضيَّع العمل والإخلاص. هـ. قلت : ولا شك أنَّ الوعظ مِن المخلصين وأهل القلوب، أشد تأثيراً من غيرهم، فإنَّ الكلامَ إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان حدّه الآذان، وفي الحِكَم :" تسبق أنوارُ الحكماء أقوالَهم، فحيث ما صار التنوير وصل التعبير ". فأهل النور تسري أنوارُهم في الجالسين قبل أن يتكلموا، وربما انتفع الناسُ بصمتهم، كما ينتفعون بكلامهم، وأمّا أهل الظُلمة ـ وهو مَن في قلبه حُب الدنيا ـ فكلامهم قليل الجدوى، تسبق ظلمةُ قلوبهم إلى قلوب السامعين، فلا ينتفع إلاّ القليل.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي