قال الرازي : وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أن في السورة التي قبلها بين الخروج إلى الجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته بقوله تعالى : إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي [ الممتحنة : ١ ] وفي هذه السورة بين ما يحمل المؤمن ويحثه على الجهاد بقوله تعالى : إن الله أي : الذي له جميع صفات الكمال يحب أي : يفعل فعل المحب مع الذين يقاتلون أي : يوقعون القتال في سبيله أي : بسبب تسهيل طريقه الموصلة إلى رضاه. وقوله تعالى : صفاً حال، أي : مصطفين حتى كأنهم في اتحاد المراد على قلب واحد كما كانوا في التساوي في الاصطفاف كالبدن الواحد كأنهم من شدة التراص والمساواة بالصدور والمناكب والثبات في المركز بنيان وزاد في التأكيد بقوله تعالى : مرصوص أي : ملزوق بعض إلى بعض ثابت كثبوت البناء.
وقال ابن عباس : يوضع الحجر على الحجر، ثم يرص بأحجار صغار، ثم يوضع اللبن عليه فيسميه أهل مكة المرصوص. وقال الرازي : يجوز أن يكون المعنى على أن يستوي شأنهم في حرب عدوهم، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة وموالاة بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص قال القرطبي : استدل بعضهم بهذه الآية على أن قتال الراجل أفضل من قتال الفارس، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. قال المهدوي : وذلك غير مستقيم لما جاء في فضل الفارس من الأجر والغنيمة، ولا يخرج الفرسان من معنى الآية لأن معناها الثبات، ولهذا يحرم الخروج من الصف إن قاومناهم إلا متحرفاً لقتال، كمن ينصرف ليكمن في موضع ويهجم، أو ينصرف من مضيق ليتبعه العدو إلى متسع سهل للقتال، أو متحيز إلى فئة يستنجد بها ولو بعيدة قليلة أو كثيرة، فيجوز انصرافه لقوله تعالى : إلا متحرفاً لقتال [ الأنفال : ١٦ ] وتجوز المبارزة لكافر لم يطلبها بلا كره، وندب لقوي أذن له الإمام أو نائبه لإقراره صلى الله عليه وسلم عليها، وهي ظهور اثنين من الصفين للقتال، من البروز وهو الظهور، فإن طلبها كافر سنت للقوي المأذون له للأمر بها في خبر أبي داود، ولأن تركها حينئذ إضعافاً لنا وتقوية لهم، وإلا كرهت.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني